الرئيسية / اخبار / “إلــى أيـــن أمضـــي ؟” بقلــم المصــطفى عبــد الدايــم.

“إلــى أيـــن أمضـــي ؟” بقلــم المصــطفى عبــد الدايــم.

إلى أين أمضي ؟  
إلى فوهة الإعصار التي تترقب حتفي ، بعد أن أرقتها المرايا الممتدة نحو الشمس متضرعة دفئا ، أم أمضي إلى الأسئلة التي أدمنت كتابتها على جدران الوقت الذي بدأ يتساقط كأوراق الشجر ، أو كلما خرج من جعبة الوقت المتبقي جواب آنتفضت جراحي من غبارها وتمايلت كغجرية فوق أرصفة الحزن والنحيب وبضع كلمات تندس تحت جلد الألم وتغادره قصائد خضبتها حناء الدهشة والموت المتأخر .. 
إلى أين أمضي ؟  إلى الصرخات العميقة المولولة في جوف الليل الموحش المتبرئ منا كما الموت ، وكيف للموت أن تتبرأ منا وهي ليست سوى رحلة نوم لذيذ لا تنقصه سوى الأحلام ، أم إلى مآذن تستأذن قوافل الخرس أن تمزق الصمت الموروث ، وتنعي للورود رحيل الفرح وآحتضار الأمل .. وها الفرح مسجى .. وها نحن على الأكتاف نحمل نعوش الآمال والأفراح والأعراس .. ولست أدري ما إذا كانت كل النساء حوريات مؤجل بروز أجنحتهن إلى ما بعد سقوط كل الأبطال شهداء ، لأنه لا يمكن لغير البطل أن يكون شهيدا ، فكل الأحياء رماد لوقت يتشظى، مسافرون في عتمة ذاكرة سودتها الخيبات يراقصون بفظاظة حكايات عن إنجازات تسكن جفون الريح وتذهب مع طلوع الشمس نحو فصل آخر من فصول الإنشطار .  
إلى أين أمضي ؟  
إلى منبع الشمس لأشهد عن قرب على ملايير الأطنان من المعادن الغير معروفة للبشر يتم تذويبها فتشرق وهجا وسهدا ، أم علي أن أقتلع من أجنحة السحب السوداء وشاحا أزرقا ، وستائر بيضاء لصباح أريده أن ينبلج وحلمي الذي إقتلعته من ضفاف التاريخ يرفرف فوق الشجر والطلح .. يرفرف فرحا بهطول المطر ، وارتواء الوديان ، فتزهر الصحراء وتغفو على كثبانها الابل …  إلى أين أمضي ؟  
إلى أنهار آلامي وأحزاني المتلاطمة أمواجها في تجاويف قلبي ، وأيضا إلى طير العشق يخترق خنادق الصبر ، وعندما يبلغ آخر السماوات يضعني بين أهداب الريح تصعد بي أعلى شرفات الغضب ، وقبل أن أشهد مجيء الموت ، سأوقظ جمر المحن والذكريات ، وأنصت لتراتيل البحر عن مغيب المطر وسقوط عرش الشعر وانتحار الشعراء .. أم أمضي إلى فراغ البياض أسكب فيه نفسي حارة وسوداء قطراتها تفشي أسرار تحدي الموت وركوب كل أسفار الكتابات الممنوعة .. تلك التي تعجن الحروف والعرق والحزن والامل والألم وحكايات الجدات عن أبطال مروا من هنا ، من هذه السطور المنتحبة ولم يعودوا كما الفجر الذي غادر ذات يوم وطني وأبى أن يبزغ ما لم تشرع قوافل الشهداء في مراجعة عقارب الوقت قبل فوات الأوان .  
إلى أين أمضي ؟  
إلى مصير .. إلى وطن على رماله .. في مدنه .. تحت وقع أساطيره وخرافاته .. على شطآنه .. في أي ركن قذر فيه حتى أريد ان أستريح فقد تعبت من الترحال .. تعبت من السفر .. كرهت الموانئ والمطارات .. كرهت كل محطات المنافي تتقاذفني .. أريد فقط ان استريح في وطني .. أريد أن أجد الوقت قبل أن يترهل لأقرأ الفاتحة على قبر كل الذين غادرونا بين فرصتين دون ان نجد الوقت للثالثة .. فرصة أولى ضاقت فيها المساحات تحت أمطار الرصاص ، وتطايرت فيها الأشلاء كالأوراق ، وسالت الدماء كالأنهر .. في فرصة كتلك تهجم علينا الشمس كالحمى ، ويغشانا الليل كخنجر ، وتواعدنا المحن فجأة كاحصنة من جهنم … وفي الفرصة الثانية نبتت المدن من حولنا ثكنات ، وانتصبت أمام بيوتنا حواجز ومخافر ، وبيننا وبين رفع أصواتنا سجون وحفر ومقابر تنتشر كالفطر … وأما فرصتنا الثالثة فقد ضاعت في أقبية مخافر الشرطة والدرك .. هناك يبحثون في الجثث عن سر الموت فينا الذي ينهض كل صباح يزيح عن وجوهنا الكفن ، ويغطي فينا ما خلف الرصاص من ثقوب ، ويكتب بحروف بارزة والله ما ارتكبتم من ذنوب ، ولا اعترتكم خطايا أو عيوب ، بل كنتم فقط كما كل الشعوب مصدر عنفوان وصدق وكبرياء ولكن أيضا أسئلة عن الحقيقة ، لأنه رغم كل البطولات ، وكل الانتصارات ، تبقى الحقيقة معدنها ذهب يلمع فقط تحت شديد النيران تنزع عنه كل السواد .  
إلى أين أمضي ؟  
إلى وطن رغم كل الأخطاء ، ورغم كل النوايا السيئة ، ورغم كل الذين سقطوا أو خانوا ، رغم كل شيء ما زلت كما أنت ياوطني فرصتي الأخيرة في ان أعيش حياتي من جديد ، لأنه في عشق الوطن نمتلك دوما فرصة لإرتكاب معجزة …

www.radiomaizirat.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

WordPress spam blocked by CleanTalk.