اخر الاخبار
الرئيسية / اخبار / الدبلوماسي المخضرم السيد محمد أسلامة بادي الدّاهي يكتب قصة قصيرة : “”مـاعـلـق بـالذاكرة” … أو الولي الإنسان”.

الدبلوماسي المخضرم السيد محمد أسلامة بادي الدّاهي يكتب قصة قصيرة : “”مـاعـلـق بـالذاكرة” … أو الولي الإنسان”.

“مـاعـلـق بـالذاكرة” … أو  الولي الإنسان محمد 
°سلامة الدّاهي.  

” لا إله إلا الله…لا إله إلا الله ..يوم ألتحصر لمخاليق أنهار طويل ومحماه…ونحن هذو امسيكينين كيف أجريّن فارغ ماه …لا إله إلا الله…” … تداعـب أذنيه ابتهالات الجدة تصله لمسة حزن  سحرية لا يجد لها تفسيرا، و لن يجهد نفسه، وهو الطفل الصغير، في تأويل العالم المحسوس من حوله، ناهيك عن عالم يتجاوز مداركه…لطالما تخيل الطفل  جدته، وهي سليلة “مول القبة الخظرا” من عالم آخر،  يضج بالملائكة، بالجن  وبكائنات غريبة أخرى، يتخيلها وقد هبطت للتو من عالم سحري خلاب لا ينفذ إليه من البشر إلا من امتلك خصائص خارقة. يتعزّز اعتقاد أحمد الطفل بارتباط جدته بعالم الخوارق السحري كلما استمع إلى حكاياها المنسوجة من عالم الخرافة والواقع، ومعينها من تلك الحكايا لا ينضب، ثم أن هيمنتها المطلقة على قاطني الدار، رجالا  ونساء، وأوامرها الواجبة النفاذ، رغم وهن الجسد وخفوت الصوت، رسّخ لدى الصغير ذلك الإعتقاد. 

تصل أحمد ابتهالات الجدة الصباحية مرفوقة بعـزف ناي غير مرئي، فيتخيل الإبتهالات التي تصله معزوفة وقد أضحت يدا تربت عليه وتهدهده و كأنها تغريه بمواصلة النوم ..لكنه يعلم أن موعد استيقاظه قد أزف وأن عليه أن يصلي ركعتي الفجر قبل أن يذهب إلى الكتّاب .. يحاول أن يفتح عينيه جاهدا، لكن الإبتهالات المنغمة التي تصله بعوالم سحرية جميلة تثبط فيه كل عزيمة للخروج من تحت الفراش الثقيل، فيقرر تجاهل الزمن الأرضي ويرفض قطع ما اتصل بعالم الجدة ذاك.. ينكمش على نفسه وقد استسلم جسده  لخدر جميل يمد له جسرا غيرمرئي ليعبر عليه من عالم اليقظة إلى عالم السبات المغر.  

“أحمد كوم يالله…كوم كافيك من الركاد!”  يصله صوت الأم حادا متوترا، يبعثر عالمه السحري ذاك، تختفي فجأة معـزوفة الناي و لا تلبث ابتهالات الجدة أن تتلاشى في صوت الأم الغاضب.. يحاول الطفل أن يقاوم خوفه الذي أطلّ فجأة.. يستجمع بعض الشجاعة لمعاكسة الأمر الصادر للتو، فيقرر تجاهل الصوت الذي قطع عليه حبل الحلم/اليقظة الجميل .. 

” أحيمد لا يطوال لك أعـمر، ما اسمعت أعياطي عليك؟”    .. !  ” أحييييمد لغنم” !!!   يميز  صوت هذه نبرة الأم المتوعـدة، فعادة ما تكون مصحوبة  بضربة عصى ستنزل على جسده في الحال، وكيفما أتفق، إن لم يتصرف بسرعة.. ينتصب الطفل واقفا، وقد جافاه ذاك الخدر،  لكن بعد فوات الأوان،  فقد عاجلته الأم  بضربة من عصا طويلة وصلت كتفه، قفز الطفل،  كما تعود أن يفعل،  نحو الجدة للإحتماء بها.   

” أهناي يالمجنونة عن الطفل..أهناي ياللعاكة” في صوت هادئ لا يخلو من حزم تحدث الجدة كنتها…تتراجع الأم وتولي الجدة ظهرها وهي تتمتم ” أصل آن لعاكة، أجّابني كاع ألذي أدشيرة لخلا ماه اللعكة…” 

“السلام عليكم..يخوتي الغالية زاد أمّالها ذا الصباح؟”  يتساءل الأب وهو مقبل على الجدة، يضع يده على رأسها تبجيلا  وقبل أن يتلقى إجابة يوجه كلامه هذه المرة إلى الإبن؛ ” حاكّك تعرف من ج البارح؟ أمنادم كال عنو ماعندو من غـرض ماه السلام عليك..هذي عادت صحبة زاد، صحبة أمتينة …” قبل أن ينهي كلامه يدخل رجل ينحني قليلا حتى يمر من باب الغرفة “المصرية” ثم تنتصب القامة الفارعة..المفاجأة تعقد لسان الطفل فلا يحار جوابا..من وراء ظهـر الجدة يندفع نحو الرجل يخال نفسه طائرا، يحمله جناحا فرح إلى ذراعي الرجل وهو يصيح “الولي..الولي”.  

يحمل الولي الطفل بذراع، ويضع يده على الجدة مسلّما، “اشنبت امباتك ياولدي” تسأله الجدة. “زين ماشا الله”، يجيبها في اقتضاب ثم ينهمك في حوار طويل مع الصبي، وكأنه صديق قديم.  

“أيوا أحمد احفظت النشيد؟” يسأل الولي الطفل، فيهز رأسه بالإيجاب ونشوة الفرح تتراقص في حدقيتيه الكبيرتين، لم ينس أن الولي قد وعده  بمنحه الهدية التي يريد إن حفظ النشيد، وهو لم يحفظ النشيد فحسب بل وزاد عليه مبادئ الثورة..هذه المرة  لن يختار كما جرت العادة “حلوة ناتة” و لا قطعة دراهم..هذه المرة يـريد شيئا آخر..انتصب الطفل واقفا، وقد أخذ هيئة الجد، ودون انتظار بدأ ينشد بسرعة فائقة؛    ” صعدنا الجبال سكنا القمم..لفضح من قال رعاة الغنم…”..و دون أن يلتقط أنفاسه، وفي غير تلعثم، انطلق في ترديد المبادئ؛ “العنف الثوري، التضحية، الإلتزام…”.. أبدى الولي إعجابا، ربما بالغ فيه لتشجيع الطفل، الذي يغلب على طبيعته الخجل والإنطواء..وقلة هم أولئك الذين يستطيعون كسر قيود الخجل التي تغله ليكتشفوا الطفل المنطلق العفوي، وكان الولي من أولئك القلة..في عالم الصبي لا ينازع الجدة في حكاياها  وعالمها السحري غير الولي، الذي لا يجد غضاضة في أن يصبح “طفلا كبيرا” يقاسم الصغير مشاغله وأحلامه؛    ” زين عالم مولانا يذا ألّا زين” ثم يردف الولي “أيوا شنهي كرايتك ذي النوبة؟”.. تتدخل الأم “ماعينو أفشي، هذا بلا اجميلو، هو أمّالو ولد الثورة” وبعينها تغمز للصغير، فينكمش على نفسه وقد أحس أن حلمه على وشك أن يتبخر. لكن الولي يعرفه جيدا، يقف فجأة ويأخذ بيده ويرفعه إلى صدره في خفة، ويندفع نحو الخارج دون أن يلقي بالا للأصوات التي تثنيه عن المبالغة في تدليل الصغير. 

” راعينا وحدنا، كولي غايتك، كول الهدية لدور؟” ..”أندور رالة؟” أجاب الصغير 

“أدّور رالة هون  فالبير، واللا فلعيون أمنين نرجعو لرضنا؟”  سأله الولي، وقد أسقط في يده فهو لا يملك ثمن ترقيع ثوبه، فكيف له بثمن دراجة ! 

أخذ الولي يسرد على الصبي حكاية الأرض؛ عن وجع يتخلل وديانها، جبالها وسواحلها الكئيبة، حدثه عن مدن آسرة، تعلو وجوهها مسحة حزن دفين،  يكتم  “النصارى”  على أنفاسها.. أخبره أن لركوب الدراجة  والتجوال في شوارع تلك المدن متعة ما بعدها متعة.. حكاياه عن تلك الأرض تأخذ بلب الصبي فيسرح خياله بعيدا يعانق عوالم أخرى تتقاطع مع عوالم الجدة في سحرها، لكنها تبدوعلى لسان الولي قريبة، محسوسة، قابلة للتحقق… ” أيوا، أيهم تختير الرالة هون واللّا فلعيون؟”،  من فرط إبحاره في تلك العوالم الجميلة، ظن نفسه، لوهلة وحيدا، لولا الصوت الذي داعـب مسامعه.. ” نختير أصّا رالة ألّا فلعيون “.. “أتهنا..انشاء الله” أجابه الولي وقد خطرت له فكرة أخرى؛ ” يغير كاع أعلاه ما انعدلو رالة هون؟..” انركبوها هون احديدة، احديدة”..أحسّ الصبي أن الولي لم يكن يسأله، بل كان يغريه بصحبة طويلة، ستكون مناسبة يحدّثه فيها عن تلك العوالم الأخّاذة، عن مدن تلتحف بكثبان الصحراء وتعانق الساحل دون أن تفقد هويتها، عن سفن تمخر عباب المدهش اللامتناهي، عن نوارس تغازل الموج و أسماك لا نظير لها في العالم..أعجبته الفكرة وفي تخابث، كمن يخادع،  صاح الصغير، وهو يحتضن صديقه الكبير؛ ” والله ..والله، هذي زينة، ياللاه أنعدلو رالة هون” .. أخرج الولي بعض الحلوى وقدمها له، لكن الصبي تردد في أخذها، فهو لا يريد أن تكون الحلوى هذه بديلا عن الدرّاجة.. بادر الولي، وقد قرأ أفكار الصبي، إلى  دسّ قطع الحلوى في جيب الصغير وهو يقول له؛ ” لا اتخاف هذي الحلوى زيادة خير، والرالة لاهي انعدلوها بحول الله”، ثم غاب عنه لحظات ليعود بمفك صغير من عدة سيارة ليقدمه له؛ ” شفت الرواية ماهي جوقة، هذا المفتاح لاهي انركبو بيه رالتنا أحديدة، احديدة”، كانت سعادة الصغير لا توصف وهو يتسلم أول مفك من مستلزمات عـدّة تركيب الدراجة.  

في همّة منقطعة النظير بدأ الطفل يجمع قطع الدراجة من الخردة وطلب من أصدقائه أن يعينوه في المهمة على أن يسمح لهم بركوب الدراجة حال الإنتهاء منها، و أصبح، على غير عادته، يكثر من زيارة مكب النفايات علّه يجد ما يفي بالغرض.       

…..                   

“تغـريبة الطفل” نحو الأرض الموعودة حملت معها تباشير تحقق حلمه في ركوب دراجته، لكن الأيام السعيدة والقصيرة في “آمكالا” سرعان ما حل مكانها قلق يسكن الوجوه. أخبار الحـرب التي تتسيّد أحاديث وسمر العائلة،  وانهماك الجميع في بناء “مخيم النصر” ثم فاجعة الترحال المستمر شرقا، بدت للصبي حاجزا كبيرايحول دون تحقق حلمه ذاك..قلق الوجوه وأخبار الحـرب ومرور الجرحى بالخيمة أصابت قلب الصبي بانقباض لا يدري كنهه ..شعر أن خطبا كبيرا قد حدث..تحرك المخيم شرقا،  إلى “المطلاني” ثم إلى “تفاريتي”.. الطائرات التي كانت تترصده سرعان ما أمطرته جحيما.. مناظر أشلاء القتلى حلت محل “الحلم”..! 

في تقدم القافلة باتجاه الشرق يلتقي الصبي بـ “صديقه” الولي مرتين وهو يركب سيارة جيب صغيرة، يوجه القافلة و يطمئن على المرضى..ولا ينسى في تلك المعمعة أن يهمس له ” لا اتكدر يا احمد، الرّالة لاهي انعدلوها ولاهي اتسوكها أنت فلعيون ان شا الله..لا يكدر عليك شي”.. يأخذ الصغير بيد الولي يسحبه إلى حيث كنزه الذي لا يفارقه “حزمة قطع الدراجة” يمسح الولي على رأس الصغير مهنئا،  ويقدم له مفكا صغيرا آخر من عدّة السيارة. 

وفي “مخيم النصر”، و قد شيّد على أرض اللجوء هذه المرة، تصبح الكلمة /الوعد: ” ماني ناسي الرالة” هي مفتاح الحديث بينهما..في المخيم يصبح “الولي” أكثر قربا، أو هكذا يشعر الطفل، لا يتردد في حمله على كتفيه، ثم يأخذ بالعدو به في الخيمة وهو يضاحكه ” أخّير لك آن من الرالة كاع..أمالها حك؟” الصغير لا يجيب، بل ينخرط في ضحك متصل وشعور بالغبطة يغزو أحاسيسه..فيتمنى القبض على هذه اللحظة، يتمنى أن يتوقف الزمن هنا.. يتسارع دوران الولي على نفسه وتتعالى ضحكات الصبي، الذي يشعر بقليل من الدوران، وفجأة يرى نفسه يمتطي تلك الدراجة في شوارع العيون، تبتسم له الوجوه والشوارع  و الجدران..ثم يتوقف الولي فجأة وينزل الصغير فيترنح ، وقبل أن يسقط يتلقاه، وتنطلق الضحكات للمشهد. يرفع الصغيرعينيه في الوجوه  يتملاها في حبور وقد شعر أنه و “صديقه” قد نجحا في إدخال بعض الفرح  إلى قلوب العائلة المهمومة.  

قبل أن يغادرالولي، يشد على يدي الصغير، يهمس في أذنه ” راني ماني ناسي يا أحمد الرالة”، فيبتسم الطفل الذي يودّ لو يستطيع أحتضان صديقه، لكن خجله يغلبه، فيبادر الصديق، وكأنه قرأ أفكار الصغير إلى احتضانه.   

ثم يسافر الولي  وتطول الغيبة.. يشعر الصغير أن أمرا جللا قد وقع، سؤاله البريئ، المتوجس عنه يظل معلقا بحبال حيرة غير مرئية، حيرة لا تخفّف من وقعها ابتسامات تائهة تجتهد في رسمها شفاه مرتعشة من فرط التأثّر، ولا الإجابات المقتضبة ” لاهي يجي.. ما يبطا بحول الله”..  العيون الحائرة التي تتبادل النظرات و قد أسقط في يدها، الأيادي التي تبادر إلى التربيت على كتف الطفل و الأحضان التي تغيّب وجهه حتى ترسل تنهيدة مكتومة أو دمعة متفلتة..كل ذلك يشعر به القلب الصغير و يدرك أن أمرا جللا قد حدث.. ينسدل الجفن على حزنه ويتسلق الوجع جدران القلب الصغير، يعتصره، ينشب فيه أظافره الرهيبة، فلا يجد الصبي فكاكا من الألم وقد أحاط به، فيندفع إلى حضن الأم ليودعه دمعة وداع حرّى. 

يحرص خال الصغير على إيصال رسالة الولي الشفوية كل مرّة يأتي فيها من الجبهات الأمامية؛ “الولي يقرئك السلام ويخبرك أنه سيأتي حالما ينتهي من أمر يتولاه بنفسه”،  والرسالة الشفوية تكون مشفوعة دائما بقطعة من قطع غيّار الدراجة ؛ ” مشّالك هذي لحديدة ويسولك يكانها صالحة للرالة”. 

سرعان ما تأكدت مخاوف الطفل؛ فقد علم بالخبر الذي كان وقعه كالصاعقة عليه، وقد تناقله أهل المخيم.. أنّا ذهب لا حديث للناس غير استشهاد الولي..وحدها العائلة تتحدث عن غيبته لا عن استشهاده، ويشعر الطفل أن رفض عائلته تقبّل الخبر المحزن يفوق  حرصهم على تجنيبه الصدمة، أو ربما تماها الأمران معا. 

هذه المرة، تطول غيبة الخال، فيأتي بدلا عنه رفيق له يحمل نفس الرسالة الشفوية من الولي ومن الخال أيضا، ويقدم قطعة غيّار أخرى. 

يستشعر الصغير أن حلم تركيب الدراجة قد استحال تعهدا و أمانة،  ترجمتها همّة  غريبة من صغير لم يخبر الحياة بعـد.. 

سرح خاطره بعيدا وهو يعاود ذكرى صداقة على قصرها رسمت الخط الرئيس في حياته كلها..الآن وقد طار غراب رأسه و خط الشيب ما تبقى من ناظريه لا حلم لديه إلا امتطاء دراجة والتجوال بها في شوارع العيون، وقد انزاح عنها ما يكتم أنفاسها، العيون، وقد توشحت شوارعا بألوان الفرح و تكللت أقواسها بتاج النصر..  

تدنو منه الدراجة وخياله لا يزال سادرا في ذكريات مرت عليها أربعة عقود.. راكب الدراجة الذي لم يقو على التحكم فيها يطلق صرخة تحذير..”بابا بعّد، بعّد عن أطريق البشكليط، راني لاهي نخبطك”..صوت ابنه يسحبه من ذكرياته، فتمتد يداه بسرعة إلى مقود الدراجة قبل أن تهوى بالصغير..يستشعر ببعض الرضى، وقد انجز بعض ما كان يتمنى؛ يحيط بإحدى يديه كتفي صغيره وبالأخرى يمسك بقوة بمقود الدراجة.. 

“يغير يا بويا، أنا ماني فاهم،  أنت كلت عنّك لاهي تركب البشكليط أنت وصاحبك ذاك، وأنتوما عدتو أكبار على البشكليط وما اتكدو تترادفو عليه ؟!!! ” سأل الصغير أباه، والحيرة ترتسم على ميحاه..” حتى البشكليط أكبير لاهي نترادفو عليه كاملين؛ الولي وانا و أنت..لا تخطف البشكليط  بالشوفة يا ولدي” . انتهى.   

www.radiomaizirat.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

WordPress spam blocked by CleanTalk.