الرئيسية / اخبار / بقلم الكاتب الكبير مصطفى عبد الدائم : ” ثقافتنا الوطنية ؟”

بقلم الكاتب الكبير مصطفى عبد الدائم : ” ثقافتنا الوطنية ؟”

بقلم الكاتب الكبير مصطفى عبد الدائم : ” ثقافتنا الوطنية ؟”  

    هل يمكن أن نمنح أنفسنا بعيدا عن هذا الضجيج ” السياسوي ” المحموم ، فرصة للتفكير الهادئ والرزين في ثقافتنا الصحراوية وجذورها ، على أن يكون هذا التفكير مدخلا للبحث الجدي ليس فقط عن مكانة وموقع هذه الثقافة  الوطنية في حياتنا العامة ، ولكن عن إمكانيات توظيفها في مجالات التنمية والتقدم ؟    

   لا شك أن الباحث في أي ثقافة يكتشف منذ الوهلة الأولى أنه ليس بصدد التوقف عند فقط ( تحف عظيمة وطقوس روحية ) تستوجب ( التقديس ) أو الاسترجاع بشوق كبير ( ذكريات قوية ورائعة ومؤثرة ) ، ولكنه يكتشف ومهما تحكم فيه ( الشعور الشوفيني )  أنه مجبر على الإعتراف تحت ضغط الضرورة العلمية أنه أولا لا وجود لثقافة مجردة ، وثانيا أن هذه الثقافة هي نتاج إنساني ، وثالثا أن هذه الثقافة لا فائدة ترجى منها ما لم تصبح ثقافة وطنية تؤسس كل مناحي حياتنا وفق محدداتها ، وما لم تصبح هذه الثقافة الوطنية المحرك الأساسي للتنمية والتقدم .      

   ولأننا وللأسف لم نستطع لحد الآن التخلص من ( الرومانسية السياسية ) التي تعتبر كل حديث عن التنمية والتقدم سابق لأوانه مادام الآني محكوم بالخطر القائم في إغفال فظيع لأخطار المستقبل والتي أعظمها على الإطلاق نظرتنا لثقافتنا الوطنية وكيفية تعاطينا معها .. هل باعتبارها لحظة من ماضينا أبهرنا ما تحمله من جميل العادات والتقاليد في اللباس والأكل والشرب والأعمال والألعاب وطقوس الخطوبة والزواج والطلاق والختان والعقيقة والختان والعلاقات والضيافة و؟؟؟ أم باعتبارها الثقافة الوطنية المرجعية الأساس في تكوين وإبراز هويتنا الوطنية في نفس الوقت الذي تشكل فيه المحرك الأساسي للتطور والتقدم والتنمية ؟؟؟       

   إن سؤال العلاقة الممكنة بين التعامل مع الثقافة الصحراوية الوطنية كمدخل من أجل التنمية والتقدم ، وما يفترضه الجواب من التخلي عن شيزوفرينيتنا الثقافية التي تبيح لنا استقبال الثقافة والتراث بكثير من التقديس والتبجيل الذي يوحي أن ( التراث والثقافة ) جزء من حياتنا ” الماضية ” دون أن يعني ذلك تشكيلها لحياتنا الحاضرة .. فلا مجال لأن تكون الثقافة الوطنية من بين محددات علاقاتنا وخططنا وبرامجنا .. بل لامجال أن تكون الثقافة مرجعا في عملنا السياسي والاجتماعي وفي مشاريعنا الإقتصادية وفي برامجنا التربوية والتعليمية …       

   إن ” الفصام ” الذي نعيشه بين ” حمى تقديس ” الثقافة ، وبين ” هوس تحنيطها ” ، لا تتجلى خطورته فقط في مانعيشه من ” ارتباك سياسي ” ، ولكن فيما نفوته على أنفسنا من فرص الإرتقاء بثقافتنا الوطنية لتكون مصدرا للزيادة في الموارد وتنظيمها وتحسين مستوى الحياة وتحقيق الرفاه الاجتماعي .. فبدل الإلتصاق بمفردات الثقافة كما كانت سائدة ، لأن مثل هذا الإلتصاق إذا لم ينتزع من بنية وعقيدة ” الركون للماضي المجيد ” خلق من ذاته ” مبررات الموت والدمار ” .. إن المقصود أن نقرأ الثقافة الصحراوية باعتبارها جذورا مكنت من استمرار الإنسان الصحراوي وأسهمت دون إنقراضه ، فما نعتبره الآن على سبيل المثال مجرد أكلة ” البلغمان ” يعكس فهما عميقا للإقتصاد الذي يعني ” تدبير الندرة ” ، و” التشطار والبسيس وغيرهما ” لم تكن كل هذه الأكلات ترفا بقدر ما كانت استجابة للواقع ومحاولة للتغلب عليه .. إنها ثقافة صحراوية عكست إمتلاك الإنسان الصحراوي لرصيد من الخبرات الإجتماعية والإقتصادية التي وظفها في تنظيم حياته اليومية وفي مواجهة القوى الخارجية كانت طبيعية أم بشرية .. ولذلك فلن تجد في الثقافة الصحراوية سواء تعلق الأمكر باللباس أو الطعام أو السكن ( الخيمة ) أو الأثاث أو الزواج أو الطلاق أوالشعر والغناء الحساني أو الأمثال … أو تعلق الأمر بالحكم أو التعليم أو العلاقات الإقتصادية أو الإلتزامات أو غير ذلك … إلا ما يؤكد  أنها تعكس سعي الإنسان الصحراوي لخلق بنيات للإنتاج والإستقرار ولم تكن مجرد مصادفات تاريخية . لذلك أمكننا الإقتناع أن الثقافة الصحراوية الوطنية صالحة كمرجعية في التخطيط المستقبلي للسياسات العمومية ، وصالحة منذ الآن أن تكون مرجعية لإشاعة مفردات الإنتماء والرضا كمداخل تسهل مجالات المشاركة الفعالة في تنظيم العمل السياسي والإجتماعي والإقتصادي .        

   إنني لست في حاجة إلى التذكير مثلا بالدراسات العديدة التي أكدت أن ” الإكتفاء الذاتي ” تسهم فيه ثقافات الشعوب أكثر مما توفره الرساميل الضخمة ، ولست ايضا في حاجة إلى التذكير أن الإحتكام إلى ثقافات الشعوب مكن من تثبيت الإستقرار السياسي والأمني أكثر مما حصل ذلك بسبب برامج سياسية أو خطط أمنية مستوردتين ، ففي الإعتماد على الثقافة الوطنية والتي لا تعني مرة أخرى نوعا من ” الفلاش باك ” ولكن القراءة المتأنية التي تعتبر أن المستقبل يبنى على العيش ” بالماضي ” وليس العيش “في الماضي ” ، وهو درس لن يستقيم إلا بالحرص على الرقي بثقافتنا الوطنية والأخذ بكل مضامينها مفاتيح للمستقبل فمثلا إذا استطاع الإنسان الصحراوي التغلب على المجال واستفادة منه ، بل وكون شخصيته المتميزة بتفكيك ألغاز المكان ، فما الذي أرادنا أن نكتشفه من خلال ” الدراعة ” مثلا ؟ هل ” فصلها ” بهذا الشكل ” الواسع والفضفاض ” ليبلغنا انصهاره في الصحراء كمجال واسع وشاسع وغير محدود .. مكان مفتوح ولا حدود فيه .. وبالتالي فقد اختار الصحراوي هذا النوع من اللباس ” الدراعة “لأنه الشكل الوحيد الذي يستجيب لرغبته في الحرية ورفضه للضيق ..رغبته في السعة والراحة التامة ورفضه للضيق والاختناق .. إنه نوع راق من التماهي بين الإنسان ومجاله ؟ إني أتساءل أيضا ألم يكن البعد الإقتصادي حاضرا بالإضافة إلى ما سبق .. ف” الدراعة ” لباسه في الأيام العادية وفي المناسبات .. إنها لباس صالح في كل مكان وزمان … طيب لماذا لم نستفد من هذا الحضور البديهي للأبعاد الرمزية والمادية في اللباس كمثال ويمكن ان نقيس ذلك أيضا على المأكل والمشرب وكل مناحي حياة الإنسان الصحراوي ؟      

   هو سؤال ضمن أسئلة عديدة مقلقة وآنية تصب كلها في سؤال بسيط ماذا لو جعلنا الثقافة الصحراوية الوطنية مدخلا للتنمية والتقدم ؟ هل يمكننا بذلك حل العديد من المشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي نتخبط فيها ؟ أعلم أننا شعب مقسم بين واقع اللجوء والإحتلال ورب قائل ” دعنا من هذه الأسئلة إلى ما بعد الإستقلال” … وجوابي هل التفكير في جعل الثقافة الوطنية المحرك الأساسي للتنمية والتقدم في كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية قد يؤثر على مسيرتنا النضالية ؟ شخصيا لا أظن ذلك .

www.radiomaizirat.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

WordPress spam blocked by CleanTalk.