اخر الاخبار
الرئيسية / اخبار / النعمة أصفاري : المحــاكمة العســـكريــة عنصرية ذاكرة تختزن تنقضاتها, تشوه حقائق كبرى وتبرز حقائق أصغرِ.

النعمة أصفاري : المحــاكمة العســـكريــة عنصرية ذاكرة تختزن تنقضاتها, تشوه حقائق كبرى وتبرز حقائق أصغرِ.

سجن سلا الرهيب|   المعتقل السياسي ومعتقل رأي النعمة أصفاري| 2013-02-05 23:04 |

المحــــــــاكمة العســـــــكريــة
عنصرية ذاكرة تختزن تنقضاتها, تشوه حقائق كبرى وتبرز حقائق أصغرِ
بعد أزيد من سنتين من الإحتجاز والإعتقال التحكمي, قرر النظام المغربي تقديمنا نحن أربعة وعشرين معتقلا, مجموعة أكديم إزيك امام المحكمة العسكرية الدائمة بالرباط يوم فاتح فبراير 2013.
لم يعد هناك أي إلتباس لأي متتبع لهذا الملف أن عملية احتجازنا كمعتقلين لا ينسجم مع ما يدعيه المغرب, وأن القضية لاعلاقة لها بالمساطير, ولا بالقانون بل هي عملية أسر وإحتجاز, لا يمكن لأي عاقل أن يرى أنها مسألة إعتقال, تراعى  أبسط أبجديات إحترام القانون وتوفير شروط المحاكمة العادلة في حدها الأدنى منذ لحظة الإختطاف.
فالنظام المغربي أصدر الحكم والإدانة لكل فرد من المجموعة منذ لحظة الإختطاف, وأسس بذلك لوضع تحكمي, أصبحنا معه نحن المعتقلين رهائن بالسجن, بأمر سياسي يتجاوز قاضي التحقيق وقاضي النيابة العامة.
هذا الأمر السياسي تركنا وبحكم الواقع كأسرى أو رهائن لأزيد من سنتان وأربعة أشهر, لنصبح في حكم الممنوعين من حرياتهم قسرا وبالتالي من صنف مجهولي المصير, من الفاقدين لحرياتهم لغايات لايعلمها, من يبقى سجين منطق القانون والمساطير, حتى وإن إستنجد بخبراء العالم في القانون.
الإعتقال السياسي هو تعذيب نفسي ومعنوي وجسدي وهو كالقتل بالجملة             (Tueur de serie)ظاهرة مغربية خالصة, يصبح السجن معها عنوان إستقواء بدائي, ومطحنة للأبرياء تبيد كرامتهم وكبريائهم.
 إن المتتبعين لمجريات هذه القضية من المراقبين الأجانب والمنظمات الحقوقية الدولية وحتى المغربية, يحارون لهذا المنطق الذي لا يدركه فهم.
 لا يدركون أن السجن والإعتقال ضد الصحراويين, خاصة النشطاء الحقوقيين إستعمل سياسيا في العديد من الحالات, للترهيب والضرب المسبق.
هنا يثار التساؤل المشروع حول دلالة السجن والأسر المسبق قبل الإدانة والمحاكمة في قضية مجموعة أكديم إزيك, وما تثيره مسألة شرعية الإعتقال الإحتياطي في النقاش  الحقوقي والقانوني ارتباطا بما تدعيه الطبقة الحقوقية وعلى رأسها المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمنظمات الحقوقية الموازية للنظام, ارتباط بمقتضيات الدستور المغربي نفسه والتزامه بالعناية بالأمن القضائي كما تفرضه الالتزامات الدولية للمملكة.
كما أنه غريبا أن لا تطرح هذه القضية القضائية في المنابر الصحفية إلا في إطار الدعاية وليس في إطار الملفات القضائية الرائجة والمثيرة, فأين هنا الرسالة الصحافية والإعلامية للإعلام المغربي, فمن الغريب في إعلام يدعي الاحترافية والجرأة والشجاعة الا يطرح هذه المتابعة على أساس السؤال الأهم والمتعلق بالبحث عن حقيقة ما جرى نتيجة الهجوم العسكري على مخيم أكديم إزيك, ولماذا زج بهؤلاء المعتقلين لمدة تزيد عن السنتين, بسبب حدث كبير كهذا وقبل ثبوت فعل غير مشروع بذمتهم.
قضية أكديم إزيك أمام المحكمة العسكرية, تبرز هذه المفارقات, وهذا الالتباس المغربي على كل الواجهات السياسية والأمنية وكذا الحقوقية والإعلامية.
 هذا التعامل مع قضيتنا يضمر تناقضات ذاتية كبيرة, يصعب التستر عليها كيفما كانت المساحيق التي توضع.
 هذا يظهر أن فهم جوهر الصراع الصحراوي المغربي يتطلب فهما متأنيا وعميقا لدلالة بعض الأحداث كحدث أكديم إزيك, وارتباط المحاكمة العسكرية بهذا الحدث المهم في تاريخ الصراع.
لن تكون المحاكمة بالصورة التي يحاول النظام المغربي إظهارها, بل هي في جوهرها وحقيقتها محاكمة سياسية, يحاول النظام من خلالها الكسب في دعايته الداخلية, لتغطية الفشل الكامل لسياسته وهو ما تؤكده  كل المعطيات التي أفرزها الهجوم العسكري على المخيم.
لن تكون (العدالة) و(حقوق الضحايا), وراء تقديم مدنيين أمام المحكمة العسكرية, بل الهدف هو إظهار حقيقته لنفسه, وفرض تفسيرها له, وهذا لن ينطلي علينا نحن كمعتقلين ومناضلين من داخل حركة المقاومة المدنية التي قادت هذا الشكل الاحتجاجي, بوعي ومسؤولية بعيدا كل البعد عن أي شكل من أشكال العنف, الذي يحاول النظام إلصاقه بنا.
إن إصرار الإحتلال على المحاكمة العسكرية, وهذا التعنت اللامفهوم, رغم الضغط الدولي الكبير, ورغم إنعدام حجيته, جعلني أتساءل وأبحث عن المنطق الذي يحاول تبرير قضية سياسية بهذا الحجم.
الكل في المغرب يعرف كيف يستخدم النظام القضاء عموما, والقضاء العسكري خصوصا, في تصفية الحسابات السياسية.
فالقضاء كما يقول أحد قضاة المجلس الأعلى للقضاء ووكيل الملك بالمحكمة الإبتدائية بالرباط, في مقال منشور له بإحدى الجرائد المغربية :  “إن المغرب تعامل مع القضاء عموما,  بإعتباره مرفقا من مرافق الدولة التابعة لوزارة العدل, ومن تم, فإن الأحداث التي تم الكشف عنها من خلال الخلاصات التي إنتهت إليها هيأة الإنصاف والمصالحة, أثبتت بما لا يدع مجالا لشك الدور السلبي الذي لعبه القضاء في تلك الفترة. الشيء الذي جعله مجرد أداة بيد الدولة, ولم تكن لهذه الأخيرة, أية تأثيرات, لولا تحكمها في جهاز النيابة العامة بشكل يكاد يختفي معه وجهها القضائي. ولذلك فإن معظم التجاوزات الحقوقية التي عرفها المغرب خلال الفترة التي كشفت عنها هيأة الإنصاف و المصالحة, أكدت أن القضاء كان له دور فيها ومن تم نادت بضرورة ضمان الإستقلال التام للسلطة القضائية.” وشهد شاهد من أهلها, فإذا كان هذا هو واقع القضاء العادي فما هي يا ترى حقيقة القضاء العسكري اليوم وفي ظل دستور 2011 وإلتزامات المغرب في مجال حقوق الإنسان وضمان شروط المحاكمة العادلة؟
المفكر والمؤرخ المغربي عبد الله العروي, في ندوة ألقاها هذه السنة, عنوانها العلاقة بين المؤرخ والقاضي, يشرح فيها علاقة المؤرخ والقاضي. وفي مقاربته لهذا الموضوع, انطلق من القرن 18, الذي تميز بفضل الثورة العلمية بإحداث ثورة في المجال القضائي والتأليف التاريخي, حيث كان الشعار الذي حملته الوضعانية هو شعار “شهادة الأشياء أتم دلالة من شهادة الأحياء”. النتيجة التي استنتجها العروي معتمدا على كتابين هما : “الجنايات والعقاب” للفيلسوف الإيطالي  (تشيزاري ديكاريا), ورواية “الجريمة والعقاب” (لدوستو يفسكي), أن الثورة العلمية, واعتماد الحجج المادية, لا تعني أن الطريق معبد أمام القاضي, والمؤرخ, لبناء استنتاجاتهم  وإصدار أحكامهم.
يعترف المفكر المغربي عبد الله العروي, بأهمية التطور الذي حصل بفضل عملية إستبدال الشهادة البشرية بالشاهد المادي, الذي أسماه هو بالشاهد الصامت, وهو ما أصبح يعتمد عليه القاضي, والمؤرخ, كمنهج يعبر عن التجاوز, الذي يستتبع التدارك, وهذا هو المنطق, الذي يؤسس لكل عملية إصلاح استدراكية.
الشاهد المادي, بالنسبة لنا نحن اليوم في نازلتنا, هي صور آلاف الخيم الصحراوية المحروقة بأكديم إزيك, والنساء والشيوخ والأطفال الهاربين من المخيم, وهذا كله مسجل وشاهده العالم عبر القنوات الفضائية, بفضل شجاعة شباب الحركة الاحتجاجية باكديم ازيك, ومنهم طبعا المعتقلين, الذي يريد النظام الانتقام منهم أمام المحكمة العسكرية.
يقول المفكر المغربي, أنه لا شك, في حالة وجود الدليل المادي, يدان المتهم, وإذا إنعدم, تبرأ ساحته. كما أن الدليل المادي, يمكن المؤرخ, من تفسير الحدث التاريخي, تفسير يرضي العقل, وقد نفهم الحادث, عقلا ولا نستحضره وجدانيا, ولا نرضاه, ولا نعترف به, ولا نقر به, فنتشبث بالشهادة. إذ أن الحجة المادية, قابلة دائما للتأويل, إذا طبقت على البشر.
“فمن العدل أن يأتي الرجل, من الحجج لخصومه, بمثل ما يأتي به لنفسه.” كما يقول الفيلسوف إبن رشد.
عمل أدبي أخر, جد مهم, أثار مسألة التأريخ والذاكرة. إنها رواية “أمس لا أكثر” للكاتب الإسباني “أندريس ترابييو”, والتي اختيرت كأفضل عمل روائي في إسبانيا سنة 2012.
أهمية وجودة هذا العمل الأدبي, ارتباطا بموضوع المحاكمة العسكرية للمدنيين الصحراويين, كونها ارتبطت بموضوع : “قانون الذاكرة التاريخية”, الذي صادق عليه البرلمان الإسباني, في عهد حكم الحزب الاشتراكي في السنوات الأخيرة. هذا العمل الأدبي, عكس الواقع السياسي والاجتماعي, الذي عاشته إسبانيا طيلة هذه السنوات. بالإضافة إلى أهمية موضوع الراوية, هناك طريقة عرض المؤلف للقضية, من خلال تناقضات الحدث الواقعي نفسه, وأيضا تناقضات الحدث الدرامي, وهي بالمناسبة, تشكل نموذجا جديدا في كتابة الرواية التاريخية.
 تقوم رواية “أمس لا أكثر”, على عدة شخصيات, أبطالها قليلي العدد, تلعب كل شخصية دورها ثم تختفي, مخلفة أمام القارئ مذاق لمس الحقائق, التي يحويها الحدث, فيبدوا كما لو كان يتعامل مع واقع فعلي.
بطل الرواية ” بيبي بيستانيا “, وهو مؤرخ وأستاذ جامعي, يأخذ على عاتقه البحث والتقصي, في مجال الجرائم, التي ارتكبها نظام الجنرال فرانكو, خلال وبعد الحرب الأهلية الإسبانية, وما أن يخطو خطواته الأولى, في اتجاه البحث عن حقيقة تكل الجرائم, وجمع الأدلة, عن مرتكبيها, حتى يصطدم بماضي أبيه الفاشي العنيد, فيجد نفسه متهما, نتيجة انغماس الأب في هذه الجرائم. وهنا يكتشف كم هي عنصرية تلك الذاكرة, حين تختزن داخلها تناقضات, تشوه حقائق كبرى, وتبرز حقائق أصغر.
المؤرخ, “بطل الرواية”, بذكاء وشجاعة, يكتشف هذه الحقيقة المرة,  وبذلك يكون قد لامس, شيئا محسوسا وجميلا. هذا الشيء هو الوعي في ذاته.
هل الإصرار في البحث عن حقيقة ما جرى بأكديم إزيك, جدي وصادق, وحتى إن إفترضنا ذلك, فهل ممكن أن نجزأ الحقيقة؟
لا ندري هل من يدعي البحث عن الحقيقة, لإقامة العدل يعرف من يخفيها. وإن كان يعرف, هل يملك الجرأة والشجاعة على تسميته؟
لو كان من قرر هذه المحاكمة العسكرية ذكيا لفعل ما فعله بطل رواية ” أمس لا أكثر”, حيث رفض أن ينغمس أكثر في بحثه وعوض ذلك بكتابة كتاب يقرأه الناس, أطلق عليه إسم ” أمس لا أكثر”.
يظهر  أن طريق عمل القاضي, كما عمل المؤرخ, لن يكون دائما معبدا بل لابد في عملية البحث والتحقيق من توفر شروط التثبت المادي من الأمور, وخاصة في قضايا, تهم ذاكرة ومصير شعوب بأكملها.
 التثبت في الأمور دليل على قوة العقل, وحسن الرأي. فمن علم وتحقق فهو الحازم  المصيب, ومن كان غير ذلك فمآله الندامة والحسرة. فهل القضاء العسكري في هذه النازلة قادر اليوم على تحقيق (العدالة) لنا نحن المعتقلين في ظل الصراع القائم.
 وقد يكون جواب القضاء ومعه المجلس الوطني لحقوق الإنسان, ما قاله “توماس مان”, حينما سؤل عن قصص الأديب التشيكي “فرونز كافكا” فأجاب : “عقلي ليس معقدا ما يكفي لفهم نص القضية “.
القضية أمام المحكمة العسكرية, ليست ما تحكيه محاضر وتقارير, الضابطة القضائية, وأجهزة الإستعلامات, المدنية أو العسكرية, لأن من خطط هذه المحاضر والتقارير غير مقتنع بها, فكيف له أن يقنع به أحدا أخر. فليس فقط سوء الظن هو من يعدم التثبت.
في قول  شهير “لأبن قدامة” حول التثبت : “فليس لك أن تظن بالإنسان شرا إلا إذا انكشف أمر لا يحتمل التأويل, فإن أخبرك بذلك عدل, فمال قلبك إلى تصديقه, كنت معذورا” ولكن أشار إلى قيد مهم  فقال : “بل ينبغي, أن تبحث هل بينهما عداوة وحسد ؟”
فالقاضي إذا لم يتخلق بقيمة التثبت, بنى حكمه على النيات والقلوب.
 قال “الشافعي” : “الحكم بين الناس يقع على ما يسمع من الخصمين بما لفظوا به, وإن كان يمكن أن يكون في قلوبهم غير ذلك”
ومن التثبت عدم الأخذ بالقرائن, ما دام المتهم ينكر ولا يقر. وإذا أتهم شخص بتهمة فنفاها أو بين عذره فيها, فليس من أسس التثبت الاستمرار في الحديث عنه.
 هناك قصة لرسول صلى الله عليه وسلم مع شخص يدعى “حاطب بن آبي بلتعة” حين صدر عنه, إفشاء سر لرسول الله (صلعم). طلب عمر أن يقطع رأسه, غير أن رسول الله (صلعم), استمع إليه, حتى إذا انتهى قال : “صدق ولا تقولوا له إلا خيرا”
فعدم الاستماع لمن لا يعرف التثبت استئصال  لشره. فكيف يمكن استئصال شر محاضر وتقارير الجهات الأمنية و الاستخباراتية من ملف قضيتنا أمام المحكمة العسكرية؟
 فإذا كانت, قراءة رواية ” أمس لا أكثر”, تأخذنا إلى عالم من المعرفة, وتعكس بذلك واقع سياسيا واجتماعيا عاشه المجتمع الإسباني, وذلك بفضل الموهبة الأدبية للكاتب “أندريس ترابييو” والذي نجح في إرساء نموذج واعد في كتابة الرواية التاريخية, من خلال طريقة عرضه لتناقضات الحدث الدرامي الذي قدمته شخصيات الرواية. فإن حدث “رواية المحكمة العسكرية” تقودنا إلى عالم أخر هذه المرة عالم أكثر واقعية, واقع الحرب الجديدة القديمة التي يشنها الاحتلال ضد شعب يناضل ويقاوم من أجل الحرية و الكرامة والعدل. وكما تكون لكل حرب كيفما كانت  أساليبها, ضحاياها ومجرموها. وكما كان للحرب القديمة مجرمون ارتكبوا أحداثا بشعة وإن اختفوا مع الزمن أو يحاول من يعيش منهم الاختفاء بالابتعاد والهرب من الأضواء, ففي الحرب الجديدة هناك من إرتكب ويرتكب جرائم لا تقل بشاعة لأنه فقط يريد تنفيذ رغبته في الانتقام.
 ففي المرحلتين مجرمون وضحايا. وتظل المحكمة العسكرية نموذج على فشل مقاربة انتهت وتم إقبارها بمقبرة أكديم إزيك.
المحكمة العسكرية دليل على فشل. لا يمكن أن يكون مبررا لنبش الذاكرة بحثا عن “العدالة” لأن ذلك يستدعي شجاعة كبيرة, وموهبة سياسية وقيما أخلاقية عليا, تجعل الذاكرة التاريخية عمل كبيرا وشامل يستدعي شروطه التاريخية والسياسية وإلا سوف يبقى الفشل مرا إذا لم تبتلعه.
” عليك أن تعرف كيف تصحوا, فاليقظة هي نهوض الواقعي من الخيالي منقحا” كما يقول الشاعر الفلسطيني الكبير “محمود درويش”.
أكـديـم إزيــك
 محـكمـة المـقاومـة الشعبيـة
أكديم إزيك محكمة الثورة, محكمة المقاومة الشعبية السلمية نصبت نفسها متصدية لأكبر جريمة مستديمة, إنها جريمة الاحتلال. هذه المحكمة الشعبية, في فضاء أكديم إزيك, جعلت الجماهير الصحراوية قاضية بأحكام, لا يمكن لأية هيأة أخرى أن تقوم بتنفيذها سواها. مشرعة للعقاب ضد المحتل الغاشم على أنفاس هذا الشعب منذ أربعين سنة, ومسؤولة في الأول والأخير عن تنفيذ هذا العقاب الجماعي ضد الإحتلال وعن مشروعية تحقيق هذا العقاب الأبدي الغير القابل لأي إستئناف أو نقض, عبر تحقيقه في الواقع الملموس بل أكثر من ذلك يمكن القول أن الجماهير في فضاء أكديم إزيك الخالد, تخطت مرحلة التداول والقرار, لتغدوا عقابا استباقيا منذ لحظة إعلانها الخروج عن إرادة الاحتلال. بل أكثر من ذلك, قررت أن هذا العقاب الإستباقي, لابد من متابعة إنجازاته وهو ما حدث في الداخلة بعد ذلك بشهور وفي كل المناطق المحتلة ولازال متواصلا إلى اليوم حتى يبلغ الإجهاز الكامل على موضوع هذا العقاب الموصوف لعدو الشعب, إنه الإحتلال.
لا يمكن لمثل هذه المقاومة, أن تتراجع عن حكم وعقاب يثبت صاحبه في كل آن بأعماله أنه يستحقه, و كونه ماضيا في إرتكاب أصناف وكميات الجرائم المصنفة دوليا في خانة العدوان على الإنسانية ذاتها. المقاومة الشعبية قائمة ومستديمة بإستدامة الجريمة بإسمها المطلق.
إزاء هذه الحقيقة الصارخة, يحاول الإحتلال وكعادته, من خلال لعبته المكشوفة أمام المحكمة العسكرية, أن يلغي أو يطمس الحدود الرابطة بين وقائع المقاومة, ساعيا إلى توقيف مفعول المقاومة الشعبية السلمية, تمهيدا لإلغائها ليس كأحداث جارية فحسب, بل كقصة تاريخية تجرد وقائعها وتبقى فاقدة لحقيقتها.
تريد هذه اللعبة كذلك جعل الجماهير والمقاومة يتخذون قرار التوقيف, مقابل وعود غائمة و واهية في هذا “النموذج التنموي الجديد”, مغدقا بأحلامه على الشعب الثائر على واقع الإحتلال.
يمكن لهذه اللعبة أن تستمر فصولا كما يخال للإحتلال أن المقاومة وذكراها ستحال إلى أثر بعد حين, بينما يبقى الاحتلال جائلا وصائلا.
خسر الاحتلال الكثير مما كان يمني به النفس ولم يعد يخدع أحدا بإدعائاته الكاذبة في تحقيق أية تنمية و إحترام حقوق الناس. لعل أهم نتيجة لهذا التحول الهام والتاريخي في الصراع مع المحتل هو تشكل حقيقة موضوعية والتي ملئت الحيز الوطني العام, في كل أبعاده الجغرافية والتاريخية وهي أن هذا الوهم السياسي والغيبي في الهيمنة والسيطرة على الأرض والإنسان قد بلغ أقصى حدوده. بذلك شرع الإحتلال بفضل الصمود التاريخي للمقاومة السلمية بأكديم إزيك, والتي أكدت وحدة الإنتماء الصحراوي, المزروعة  بجهود التضحيات والصمود المستديم أن التدحرج المتسارع للإحتلال لن ينفع معه أي شيء أخر.
هذا الإنقسام والتمايز البنيوي, بل التاريخي بين الثقافتين والهويتين, (الإحتلال و المحتل), صاحبه في إكديم إزيك انبثاق جديد لقوة الجماهير القادرة على نزع زمام المبادرة والتحكم في مصيريها ومستقبلها, مقابل موت وإندحار رموز الطقسيات الجامحة, والمتهافتة كفراش على الكراسي الخادمة للإحتلال بكل أنواعها وأشكالها.
ظهرت المقاومة الجماهيرية السلمية كفعالية مباشرة على الأرض متجاوزة لحدود التحكم في إنطلاقتها أو توقيفها ارتباطا بنخب حقوقية أو سياسية تقيدها أو تلجمها ومنسجمة مع روح تجربة انتفاضة الإستقلال وأشكالها الإبداعية السلمية, التي تطورت طيلة العقد الأخير.
نجاح هذه التجربة الفريدة في ترسيخ هذا الأسلوب الغير قابل للإحتواء كان بفضل سلاح تفاؤل الإرادة وتغليبه على يأس الذكاء.
شكل أكديم إزيك أكبر انتفاض سياسي شعبي بعد أزيد من ثلاثين سنة من تراكم الصراع الذي أفرز تفاعلات عديدة إجتماعية وإقتصادية وسياسية. لم يكن الإحتلال في تقديره يعيي أنه كان يغذي أزمته الذاتية والبنيوية طيلة هذه العقود الأخيرة. ضاعفت الأزمة من الإحتمالات والنتيجة ؟ إنها مختصرة في الشعارات المتضمنة في إحتجاجات أكديم إزيك :
” نحن أصحاب الأرض, والأرض لأهلها فقط”
 “يمنع المخيم على كل ما له علاقة بالإحتلال”
 “نرفض وضعية الشك واللايقين لبعثة الأمم المتحدة المينورسو”
 “فقدنا الثقة في المنتظم الدولي”
“مرحلة اللاحرب واللاسلم تعني عنف الإحتلال وإستنزاف الخيرات”
“لا لأي حل يحاول القفز على إستفتاء تقرير المصير”
 “نطالب بتدخل مفوضية غوث اللاجئين وحماية المدنيين بالمدن المحتلة طبقا لمقتضيات القانون الدولي الإنساني”
هذا الوضع إذن يضاعف من الغضب ومن المقاومة ومن الثورة ضد الإحتلال.
بقية الحركة الإحتجاجية بأكديم إزيك صامدة لأزيد من شهر مستعصية على الحل إلا بما يعاكس طبيعتها وأسلوبها. إنه العنف ولا شيء غير العنف الهمجي, وهذه المرة بواسطة الجيش, إنه خرق سافر لوقف إطلاق النار.
لقد كسرت هذه القوة الشعبية طوق الخوف حول الجماهير وأخرجت الكل من اللامبالاة ومن التقبل السالب ومن اليأس أمام الواقع المفروض. تحركت القوة الإحتجاجية لتدفع إلى خلق واقع على شاكلة مخيمات اللاجئين المبعدين قسريا عن الأرض يحمل هذا المخيم كل معاني ورموز وتنظيم مخيمات اللاجئين.
تحركت الجماهير من كل المدن الصحراوية لتدفع إلى خلق واقع عنوانه الرفض القاطع لكل ما له إرتباط بالإحتلال.
لم نكن نعتقد أن كل المطالب التي رفعت ممكنة التحقيق بل كنا متأكدين أن هذه المطالب صعبة التحقيق ولايمكن لأية حركة إحتجاجية جماهيرية سلمية كيفما كانت قوتها وقف الآلة المدمرة للإحتلال.
نجحت حركة أكديم إزيك الإحتجاجية وكانت الأقوى منذ وقف إطلاق النار سنة 1991, رغم ضعفها من تعديل أشكال التنميط الإجتماعي الذي عمل الإحتلال على خلقه وفرضه كواقع منذ عقود وبعثت من جديد روح التضامن وخلق آليات للتضامن متعددة وجديدة بين أفراد المجتمع الصحراوي قاتلتنا بذلك رغبت الإحتلال في خلق مجموعات منغلقة على ذاهتا. ولقح المجتمع بلقاح التضامن الوطني بين مختلف أطياف الجسم الصحراوي.
نجحت إذن أقوى حركة إحتجاجية مدنية سلمية في التاريخ الوطني الصحراوي أن تمزج بين يأس الذكاء وتفاؤل الإرادة.
بالهجوم العسكري الغادر على مخيم أكديم إزيك فجر يوم الإثنين 08 نوفمبر 2010, أثبت الإحتلال من دون أن يدري أن وجوده مرتبط بشرط العنف والقمع وأنه لا يمكن ان يحيا بدونه وهو ما أرادت إنتفاضة الإستقلال السلمية إثباته للعالم منذ 20 ماي 2005.
هذا هو الطرح المركزي للمقاومة الشعبية السلمية المبدعة لأساليبها حسب ما تمليه كل مرحلة.
الدولة الصحراوية مستقلة هي الحل
بقلم النعمة أصفاري

 المعتقل السياسي ومعتقل رأي

 رئيس لجنة الدفاع عن حقوق الإنسان والحريات العامة بفرنسا (كوريلسوCORELSO )

مجموعة معتقلي أكديم إزيك المتابعة أمام المحكمة العسكرية الدائمة بالرباط
www.radiomaizirat.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

WordPress spam blocked by CleanTalk.