اخر الاخبار
الرئيسية / آخر الأخبار / لا يجب أن تفوتكم قراءة هذا المقال : ســؤال “لو لم نجده عليها لاخترعناه”.

لا يجب أن تفوتكم قراءة هذا المقال : ســؤال “لو لم نجده عليها لاخترعناه”.

مقال نشر بتاريخ 29/06/2009

” عن أي صحراء تتحدث؟”: سؤال مهم، جدّ مهم، بعيدا عن أبعاده ومراميه، ف”لو لم نجده” على المنابر الإعلامية الموريتانية “لاخترعناه”. غير أن الأخت فاطمه بنت شيخنا كفتـنا مشقة الاختراع؛ فأهدته لنا على صحن من زبرجد، وإنا لها لشاكرون.

أختي الكريمة، قبل الدخول في صلب جواب قد لا يكون مختصرا، ذرينا نتفق، جميعنا، رغم متاريس الخلاف، على أن “الساكت على الباطل شيطان أخرس”. ولكي لا يُــبَـذر “كتــّـــاب التيار الملائكي” مداد أقلامهم، دعينا نتفق معهم -هم بدورهم- على أننا جواسيس مسترزقون، وبالتالي سفلة أراذل، مقتنعون جدا بالسفالة والرذيلة إن كانتا تعنيان المجاهرة بالحق في وجه رجعيي وطواغيت المنطقة، خاصة أننا لم نر في مجتمع “الأكابر الأفاضل” غير صمت مخز، أو تمتمات متواطئة، أو تلعثمات خجولة، أو رؤوس مدفونة في مخدات الخوف والطمع كلما تعلق الأمر بباطل يلتحفه الأقوياء أو حق يدوسونه.

مهما يكن، فعن أي صحراء – أختي العزيزة- ترينني سأتحدث، إن لم تكن الصحراء الغربية؛ حيث يتعانق صبر أيوب مع مأساة يوسف، وحيث الشجاعة أكسجين الحياة، وحيث التراث صفحة تفتأ تـبْـهارّ كلما ادلهمّ ليل مثيلاتها. عن أي صحراء سأتحدث إن لم تكن الصحراء الغربية؛ حيث الثورة ترنيمة تتغنى بها الأودية والمغارات، وحيث الصمود رنة من آلاء الخلود. لكن لا بأس أن افترض معك (جدلا) أن الأمر يتعلق – كما قلت- ب”اثنين أو ثلاثة من البداة”. وسأرى معك ماذا حقق هذا الرقم المجهري عبر مسيرته الحافلة. لقد علم العالم أن الحرب في الصحراء الغربية ستكون “رحلة استجمام لا تكلف الجيش المغربي أكثر من أربعة أيام” حسب الملك الراحل. ومنذ سنة 1976 والعالم ينتظر نهاية تلك “الأيام الأربعة”.

أكثر من ثلاثين سنة بالتقويم لغريغوري (المعمول به عالميا) تمضي، و”الأربعة أيام” بالتقويم الزمني المخزني ما زالت تسير ببطء شديد دون أن تعرف نهاية حقيقية؛ فلا القلوب الصحراوية تمخزنت، ولا الأرض الصحراوية احتــُـلت بكاملها (فثلثها يرفرف عليه العلم الصحراوي المهيب)، ولا المجتمع الدولي اقتنع بمغربية الصحراء (فالأمم المتحدة، كما قال المبعوث فالسوم -رغم انحيازه المشين- حائرة أخلاقيا ما بين حق صحراوي يدعمه القانون وضغط أمريكي فرنسي تدعمه المصالح). وأكثر من ذلك دخلت إفريقيا على الخط بثقلها المتمثل في المثلث القوي (الجزائر/ جنوب إفريقيا/ نيجيريا).

وهكذا إذن فشل الحل الاستيطاني بما يعنيه من تذويب لخصوصيات المجتمع الصحراوي، وفشل الحل العسكري؛ مما أرغم المملكة المغربية على الاستنجاد بالخبرات العسكرية الإسرائيلية-الأمريكية-الفرنسية بغية بناء جدار أمني عازل كي يحول بين جيشها (المتغلب القاهر!!) مع “اثنين أو ثلاثة من البداة” تكفي للقضاء عليهم “نزهة أربعة أيام”. وعلى صعيد آخر فشل الحل الدبلوماسي، وإن استـُـخدمت فيه اللوبيات والأموال الطائلة، فاعترف الاتحاد الإفريقي بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، وتتابعت سلسلة الاعترافات لتشمل أكثر من 80 دولة.

أختي العزيزة، لقد حقق هؤلاء “الاثنان أو الثلاثة” ما عجز عنه ملايين الأشخاص؛ إذ حرروا 1500 كيلومتر طولا وعشرات الكيلومترات عرضا (تضيق وتتسع حسب الإخفاق والنجاح في صد جدار الذل). والأهم من ذلك، بل المعجزة أنهم بنوا نموذجا لدولة لم يسبق لها مثيل في التاريخ. فالشعوب المُسَفــّـرة المُهَجّرة قسرا تعيش عادة في المنفى (في كنف بلد مضيف)، أقصى ما تبلغ إرادتها هو إقامة مليشيات للمناوشات العسكرية، أو إنشاء حركة (جبهة- حزب) للمقاومة المدنية والعسكرية. أما أكثر الشعوب حظا وإرادة فتلك التي تقيم حكومة في المنفى. والشواهد معروفة في التاريخ. لكن الصحراويين –إضافة إلى ما سبق- بنوا دولة في منفاهم.. دولة بكل معانيها؛ لأنهم، ببساطة، لا يريدون لشعبهم أن يبدأ من الصفر بعد حصوله على الاستقلال التام. وعلى هذا الأساس بادروا إلى بناء دولة- نموذج: دولة في المنفى. وأي منفى؟.. هضبة “لحماده” بمنطقة تيندوف جنوب جزائر الإباء، هناك على مقربة من قرص الشمس، عندما تتحول الأشعة إلى جحيم بركاني، وعندما يتحول العجاج إلى صرصر عاتية. على ظهر تلك الهضبة بنى “الاثنان أو الثلاثة” دولة اختصرت الوقت للصحراويين؛ فبعد الاستقلال سوف ينقلونها (إدارة ومعدات ونظام تسيير) إلى أرضهم العتيقة، فيبدأون من حيث انتهوا في منفاهم التيندوفي. فأي شعب – أختي الكريمة- هُـجّـر فتمكن من بناء دولة في المهجر في انتظار أن يعود حاملا دولته على كتـفـيْـه؟.. مثال واحد في العالم: إنهم الصحراويون الأشاوس؛ أولئك الرجال والنساء الذين أطلقت عليهم تعسفا وصف “اثنين أو ثلاثة”. صديقتي ألا ترين أنه سيكون بمقدور الصحراوي، بعد الاستقلال القادم حتما، أن يرفع هامته عاليا ليقول للعالم بكل اعتزاز: “ها أنا ذا أعود إلى أرض الصمود حاملا على كتفـَـيَّ دولة بنيتها في العراء بحكمتي وحنكتي وإرادتي”. إنها هياكل ومؤسسات الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية: وزارات بإداراتها ومصالحها، ولايات بمدارسها ومستشفياتها، جيش بمعداته واستعداداته، درك بمهامه وتحقيقاته، إذاعة بتحليلاتها وتحريضاتها وتوجيهاتها، نظام قضائي مكتمل المسطرة (من المحاكم الابتدائية، إلى محكمة الاستئناف، إلى حق الدفاع والمحاماة، إلى الأحكام فالتنفيذ)، ناهيك عن الثقافة والفن والشعر والشعراء والفعاليات النسوية والشبابية. إنها دولة بكل تفاصيلها، لا تحتاج غير الاستقلال لتتحول من جزائر الإباء إلى صحراء الشموخ.

“عن أي صحراء تتحدث؟”: سؤال يحتاج إليه الحراك الإعلامي الموريتاني؛ فهو يثري النقاش حول موضوع له ما يميزه على المنابر الموريتانية. والحقيقة أننا “لو لم نجده عليها لاخترعناه” لأنه يخدم خطنا السياسي ويستجيب لذوقنا النضالي.. إنه يعطينا الفرصة لنوضح للرأي العام الوطني حقيقة نزاع طويل بات من غير المنصف أن نظل مجرد مشاهدين متفرجين غير مكترثين به؛ فهو يهمنا لأن ضحاياه أشقاء حكمت القيم الثقافية الحضارية علينا معا أن نسير في متاهات الدنيا جنبا إلى جنب؛ سواء اكتـنفتنا السراء أو لفتنا الضراء، أو أحيانا اليسر أو أماتـنا العسر، أو طار بنا الفرح أو أنزلنا الترح. إنه المصير المشترك أو لا يكون.

أختي فاطمه، لا أرى إلا أننا معنيون بهذا النزاع؛ فبعيدا عن حق الجار ومنطق استقرار المنطقة والأواصر الاجتماعية، ألا ترين معي أننا بشر، وأننا كبشر معنيون بأسس العدالة، ننتصر للمظلوم أينما كان (في البيرو أو في الهندوراس)، نتألم لآلامه، نشقى لواقعه، نسهر ببحّـة آهاته وندعو لإنصافه، ولا يهمنا ما إذا كان المظلوم حفنة لا تزيد على الثلاثة أو كان الظالم عرمرا لا ينقص عن المليار! فهل وجدتِ في الدنيا عدالة لا تقيم وزنا للقلة؟.. إن من حق القلة – كما الكثرة- أن تتشبث بحقها أو تفرط فيه، وليس لنا أن توبخها على خيارها أو نبخسها إياه. ومع ذلك سأفترض معك أن مخيمات العز عبارة عن “شخصين أو ثلاثة”، لكن شاء القدر – أختي الكريمة- أن يولد “الاثنان أو الثلاثة” المذكورون، ويولد آباؤهم، ويولد آباء أجداد أجدادهم، إلى يوم عجز الإنسان عن أن يواري سوءة أخيه، على أديم أرض سائبة، لم تعرف السلطة المركزية أبدا (فلا هي عرفت الإمارة، ولا هي عرفت السلطنة، ولا هي عرفت المملكة)، ثم شاء القدر أن يتم استعمارهم من طرف دولة تختلف جذريا عن الدولة المستعمرة لجيرانهم. فإسبانيا ليست فرنسا كما أن الصحراء ليست المغرب. تماما كما أن الحدود ليست، ولم تكن أبدا، ولا هي ستكون ما نخـْـتــَـــطــّـه بأصابعنا أو نتصوره في أذهاننا أو نصبو إليه في لاوعينا. لكنها ما تـُـعَـرّفه القوانين الدولية وتنص عليه المواثيق الأممية. فالحدود – صديقتي- هي خطوط (وهمية أو واقعية، منطقية أو بليدة) أورثها الاستعمار لمستعمراته دون استشارتهم، بل اختطها في يوم من الأيام (حسب اعتبارات استراتيجية أو مصلحية أو طبيعية) لتصبح في ما بعد قانونا يسري على الجميع وحقا يتشبث به أصحابه. وعلى هذا الأساس فإن حق الصحراويين في الاستقلال داخل حدودهم الموروثة عن الاستعمار (أو على الأقل تقرير مصيرهم بأنفسهم) مسألة لا جدال فيها، لذلك اعترف بها جميع الوسطاء وأكدتها جميع المحاكم الدولية. وهل يعاب على “ثلاثة أشخاص” أن يتشبثوا بحقهم؟. لم نسمع بأن شرعة مّا انتزعت من طرف حقه وأعطته لطرف جائر على أساس من القلة أو الكثرة. صديقتي، إنك، وإنهم، وإنه، وإننا معنيون بمؤازرة الحق وتعزيز مفهوم العدالة والسعي إلى بث روح الانصاف ومناهضة الجور والجبروت. وإنها لمهمة صعبة، لكنها في منتهى النبل، وما البشر في نهاية المطاف إلا حَمَــلة رسالات.

أختي الكريمة، هل تعلمين أن 23 دولة منضوية تحت لواء الأمم المتحدة أقل سكانا وأصغر خارطة من الصحراء الغربية؟. ولا أخالك سمعت أن أحدا عارض وجودها كدول ذات سيادة بسبب حجمها. فهل من حق الفيّـلة أن تطالب بإعدام كل حمامة لمجرد أنها ضخمة وأن الأخرى نحيفة؟.. أختي الكريمة، هل يقبل الفهم السليم أن تطالب الصين برمي قطر في أعماق المحيط لأنها (سكانا وخارطة) أصغر من أصغر سوق في أصغر حي في بكين؟..

“عن أي صحراء تتحدث؟”: سؤال يراد به الإحراج، فيما كان بالنسبة لنا فرجا؛ فهو يعطينا الفرصة – مرة تلو المرة- لنحدث الحيارى (الواقفين مشدوهين بين مؤيدي تقرير المصير ومؤيدي الحكم الذاتي) عن نزاع ضحيته شعب نشترك معه في كل شيء: نتقاسم معه “الكاف” و”الدراعه” والملحفة والناقة واللهجة والنكتة، بل نتقاسم معه “الشيخ ماء العينين” و”الشيخ محمد المامي” و”ولد الطلبه”… ورغم ذلك نكاد لا نتأثر بمآسيه إلا من رحم ربك، تاركين إفريقيا السوداء تحمل مشعل الدفاع عن من نحن أحق بالدفاع عنهم. فنرى المنظومة الافريقية – في غالبيتها- تؤيد وتؤكد حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، ضاربة عرض الحائط (وطول الجدار الأمني) بمصالحها الاقتصادية وعلاقاتها بالقوى الامبريالية المهيمنة، ساعية، بكل شجاعة، إلى طرد الاستعمار – أيا كان- عن أية بقعة في القارة، أحرى أن يكون المستعمر إفريقيا والمستعمرة بلادا إفريقية. لقد صدحت إفريقيا- مانديلا التحررية في وجه إفريقيا- عبد الله واد العميلة، لتقول لها صراحة: “إننا مطالبون بإزاحة الاستعمار عن آخر مستعمرة بإفريقيا؛ ذلك ما تقتضيه مبادئ التحرر وتحدو إليه سيرورة التاريخ. لقد شربنا الزعاق من كأس الاستعمار، ولن نساعد عصّاري السم أبدا ما حيينا”. فهل نسير في قافلة مانديلا أم ننبح مع كلاب واد؟.. إشكالية يسهل فك رموزها خاصة على من هم في مستوى الإعلامية المتألقة فاطمه بنت شيخنا.

أختي العزيزة، كم هو محق زعيم ليبيا (القائد معمر القذافي) عندما توجه إلى “الأفرقة” أو “الأفريكانية” لما خذله العرب فصدوا منكسرين صاغرين أمام دعوة الغرب إلى الحصار المعروف، في وقت خرق فيه الزعماء الأفارقة السود ذلك الحظر الجوي البغيض فنزلوا بطائراتهم في مطار طرابلس تضامنا منهم مع بلد إفريقي مظلوم. إنها نفس إفريقيا العظيمة الواقفة اليوم إلى جانب حق الصحراويين في تقرير مصيرهم، لتقدم بذلك درسا لي ولك وللحيارى كما للساجدين لهُـبَــل. درسا مفاده أن الموت واحد وإن تعددت الأسباب، وأن درهما باهتا لا يساوي كرامة إنسان عكس ما يتصوره بعض المثقفين، المفكرين بأمعائهم، وبعض الزعامات، المصنوعة من ألياف الصدفة.

“عن أي صحراء تتحدث؟”: سؤال شيق جدا، فالحديث هنا (وهناك) مقتصر، كليا، على الصحراء الغربية: مَـنبت العز، مرتع الشهامة، منبع الإخلاص، مهبط الفروسية ومكمن الثورة على المسكنة والخمول. تلك الصحراء التي خلقت من الأطفال أبطالا سطروا أسماءهم في “ملحمة هوميروس”. فعندما فجر أولئك الأطفال تلك الثورة الخالدة كانوا ما بين العشرينيات والثلاثينات من أعمارهم، فكانوا -وهم الولـْـدَانُ المدللون بأباريق لبن النوق- يجوبون الفيفاء، يجمعون العجزة والصبيان والصبايا، يُرَحّــلونهم إلى مكان آمن تحت خيام فراشها الأمل وحده، في قيعة مهجورة على أرض لحماده. وكانوا في نفس الوقت، وبنفس التصميم، يخططون للمعارك، ينفذون العمليات ويفاوضون زعماء العالم لإقناعهم بعدالة قضيتهم. فما كان من أحرار العالم إلا أن وقفوا إجلالا وإكبارا لأطفال في مثل هذه السن يفجرون ثورة، ويجمعون أشتاتا، ويحاربون “عملاقا”، ويقنعون زعامات، سلاحهم الوحيد أنهم أرادوا الحياة، وأن القدر لا محالة سيستجيب.

أختي الكريمة، عن هذه الصحراء (التي أنجبت من براءة الطفولة أبطالا مغاوير) أتحدث. وحديثي سيظل موصولا وموفورا كلما تذكرت أن من بين أولئك الأطفال معجزة الصحراء وفلذة كبدها: الطفل الحكيم، الرفيق الشهيد الولي مصطفى السيد. لقد مات – للأسف- وهو بعد لم يبلغ الثامنة والعشرين، غير أن آثاره ومحامده ودروسه وبطولاته كانت قد بلغت الستين نضجا وحكمة ودقة وعمقا. إنه الزعيم المحنك، صاحب القدرة الفائقة على التحليل والاستنباط والتخطيط واستيعاب المعطيات وتصور الحلول. إنه مفجر المواهب الثورية، مستشرف المستقبل وصاحب الرؤى البعيدة. وإن علينا – تداركا لخطيئتنا- أن نترحم عليه بتأييد مطالبه المشروعة (على الأقل، على الأقل).

أختي الكريمة، ليس من اللباقة تجاه الملك نفسه أن نكون ملكيين أكثر منه؛ فالمملكة المغربية – عكسا لما تتصورين، ورغما عنها- اعترفت بوجود الصحراويين في عشرات المواقف، فجلس الملك الراحل مع ممثليهم للتفاوض المباشر (دون حجاب)، كما جالسهم مفاوضو الدولة المغربية في عدة جولات، داخل نفس القاعة وبصفة مباشرة، على اعتبار أنهم طرف يستحيل تجاهله. وإن كنتِ لا تعلمين، صديقتي، فالمغرب يعلم علم اليقين أن جنوده الأسرى لم يكونوا في المريخ أو لدى الأشباح، بل كانوا رهن الاعتقال لدى جيش التحرير التابع للجبهة الشعبية لتحرير الساقيه الحمراء وواد الذهب، داخل سجون الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية. ولا أراك تجهلين أن المملكة المغربية (وضمن إكراهات الاعتراف المتزايدة) اعترفت بنوع من الهوية البيظانية للشعب الصحراوي، وجسدت ذلك من خلال تلفزيون لعيون، مستخدمة الفنانين والأدباء الموريتانيين لتدجين الشعب، ربما لأنها تظن أن “تأكيد مغربية موريتانيا يؤكد أكثر مغربية الصحراء”، لكن منح هوية ثقافية بيظانية للصحراويين يؤكد – بما لا يدع مجالا للشك- حقيقة الحدود الحضارية بين الشعبين الصحراوي والمغربي.

أختي فاطمة، كل ما سبق يؤكد، من زاوية الموضوعية والانصاف، أن مبررات المخزن (المدرجة في مخطط ابتلاع الصحراء) باطلة. وأنت تعلمين أن الباطلَ باطلٌ حتى ولو أجمعت عليه القوى العظمى؛ فالعالم لن يقتنع بأن أمريكا معلم نصوح، وأن المغرب طفل وديع. وبالتالي لن يقتنع بأن من حق أمريكا أن تناول المغرب طبشورا أبيض ليرسم على سبورة الكون خارطته حسب هواه. فمهما تعجرف الامبرياليون فثمة ضوابط لا يمكن القفز عليها.

“عن أي صحراء تتحدث؟”: سؤال تقتضي الإجابة عليه صفحات وصفحات. وسأعطي لقلمي هذه المرة حق “تخمة المداد” عسى تنقشع غيمة الشك والتردد. أختي الكريمة، عن أي صحراء سأتحدث غير الصحراء الغربية، فهي في شبه منطقتنا أم المواضيع وثدي النقاشات. صحيح أنها كانت من بين المحظورات. فإما من يمنعهم الخوف أو من يحدوهم الطمع أو من لا يجد ما يؤكد به شرفه غير التعلق بـ”العرش”. أما اليوم فبلادنا تعيش واقعا جديدا ماتت فيه المصادرات والطابوهات، بحيث تضرب حرية التعبير أرقامها القياسية، وبحيث تراجعت وتيرة شبح الخوف مفسحة مكانها (تدريجيا) لمنطق التحليل والاختيار الحر بعيدا عن حكم الهراوة والبطاطس. إذن عن هذه الصحراء (التي أخـّـر تزايد الاهتمام بها زيارة الملك مرتين) أتحدث. تلك الصحراء التي تجاوزت عقدة الماضي بكل تجلياته المظلمة، فبعثت (على إثر الأزمة الموريتانية السينغالية) رسولا إلى نواكشوط ليؤكد رسميا للحكومة الموريتانية استعداد بلاده للتدخل العسكري المباشر إلى جانب موريتانيا في حالة نشوب حرب بينها والسينغال. في حين كانت السينغال تستقبل من الطرف الآخر باخرة ذات حمولة “خاصة”. هكذا تؤكل كتف الغفران، وهكذا تولج شعاب التسامح؛ فالروابط التاريخية تظل أقوى من البارود، كما تظل أقوى من السنابل.. وإن علينا – أختي العزيزة- أن نحذو حذوهم في اقتناء “علم التجاوز”، فننظر إلى الصحراء والصحراويين بعيدا عن عقد الماضي، ووفق منطق جديد قوامه التوازنات الإقليمية، وأساسه استقرار المنطقة، وسنده القانون الدولي، وبعده العمق الاستراتيجي.

أختي الكريمة، لقد فسر المحللون عملية تهجير مواطنين موريتانيين (على أساس أنهم صحراويون “عائدون”) بأنه داخل ضمن سياسة خطيرة تهدف إلى الإخلال بالتوازنات العرقية الداخلية لصالح جبهة تحرير زنوج موريتانيا (افلام)، وبالتالي فالأطراف المعنية بالعملية مدانة جميعها (صاحب المبادرة، والمهجرين، والبلد المضيف على حد سواء). والحقيقة أننا لسنا هنا لإصدار حكم على أي كان، وإنما ننقل التفاسير الجموحة لرأي عام بات مصدوما بفعل مسرحية أقل ما توصف به أنها سيئة الإخراج، عديمة الحجج، خسيسة المرامي.

“عن أي صحراء تتحدث؟”: أتحدث – صديقتي- عن صحراء قالت عنها الكاتبة أوديت دي بيكادو: “إذا أتيتها لابد أن تفكر في العودة إليها. لا نعرف السبب، لكنها حقيقة لا مراء فيها”. وإذا كانت السيدة أوديت في كتابها ملح الصحراء (Le sel du désert) تعيد الأمر ضمنيا إلى جاذبية المناخ ونمط العيش، فإن لكل جهة ولكل زائر ولكل مهتم أسباب خاصة ترغمه على العودة إلى الصحراء؛ فالرسوم والنحوت تشد الأثريين، والمعاناة واللجوء واغتصاب الأرض تشد الحقوقيين ودعاة السلام، والتقاليد والخصوصية الحضارية تشد المؤرخين، والبعد التحرري يشد الجزائر، والروابط الاجتماعية تشد موريتانيا، والفوسفاط يشد المغرب… أما ما يشد الجميع، فلا يترك مجالا لعدم الاكتراث، فهو التواضع. أختي الكريمة، لو علمت أن الفوارق تموت كليا في الصحراء الغربية بين القائد والمقود لفهمت عن أي صحراء أتحدث. فالصحراء التي لا فرق فيها، ضمنيا وشكليا، بين الوزير والسائق، هي الصحراء التي أتحدث عنها. ففي مخيمات الرفض (مخيمات الكرامة) يمتص التواضع كل الأحكام المسبقة عن الصحراويين.. يأكل التواضع عقول كل الزائرين.. يلتف التواضع على كل الدعايات المغرضة فيحطمها على صخرة لحماده، ومن ثم ينكشف غطاء الحملات، فيبدو الصحراويون على حقيقتهم: خبزة من التواضع عجنها رجال “منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر”.

أختي فاطمه، إن الرجال العظام الذين أمسكوا الزناد في المعارك الكبيرة ونظروا لقيام الدولة هم أنفسهم من يصنعون لضيوفهم الشاي بأيديهم الكريمة؛ لأن تجربة البوليساريو صنعت الإنسان الصحراوي المثالي، إنسانا لا يعرف العقد، أبعد ما يكون عن جنون العظمة، إنسانا يعرف دوره، ويلعبه دون أن يكابر به، إنسانا يتحكم التواضع في صميم وجدانه، يتنفسه، يقتات به. فالتواضع في فلسفة الصحراوي الأبي ليس أخلاقا عامة فحسب، بل إنه رمق الحياة وأيديولوجية التعاطي مع الآخر.

أختي الكريمة لو سألتِ فيلق “اركيطه” المغربي: “عن أي صحراء يتحدث هذا العميل المسكين”، لقالت لك، بصوت خافت طبعا: “إنه يتحدث عن الصحراء الغربية حيث يرسم أغوال اتفاريتي لوحة الملاحم الأسطورية الخالدة”، وحيث لا يتعلق الأمر ب”اثنين أو ثلاثة” كما قلتِ، بل يتعلق بدولة في المنفى، وجيش يشتعل حماسا، وانتفاضة عارمة، وشعب قانع صبور، وأصدقاء يتزايدون، وأمل تكبر أغصانه كل يوم.

وإلى أن نلتقي في العاصمة لعيون، فنأكل معا شواءً يفوح بعبق الاستقلال، لك مني ألف تحية وتحية.

بقلم : محمد فال ولد سيدي ميله.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

WordPress spam blocked by CleanTalk.