اخر الاخبار
الرئيسية / آخر الأخبار / صالــح البشرة : حرب الدعايـة، وما أدراك ما الدعايـة !!!

صالــح البشرة : حرب الدعايـة، وما أدراك ما الدعايـة !!!

بقلم: صالح البشرة.

في زمننا هذا، نشهد الصعود الصاروخي لاستعمال الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي على نطاق واسع لم يستثني أية فئة عمرية ولا شريحة مجتمعية في كافة أرجاء المعمور. وبالتوازي مع هذا، برزت مفاهيم جديدة واستعمالات متعددة، فصرنا نسمع بالمواطن الصحفي وبالنشاط الرقمي إلى جانب تسميات أخرى. كل هذا جعل من الصعب التيقن من المعلومة في زمن التكنولوجيا المتغيرة ودخول لاعبين جدد على كافة الأصعدة. وبالتالي، صارت حرب الدعاية (البروباغندا) تجد في ذلك مرتعا خصبا لها، ومناسبة مواتية من أجل حرب لم يشهد لها العالم مثيل من قبل، والتي بدورها أوجدت مناخا غريبا يصاحبنا في أحلامنا، في يومنا، في يقظتنا، في علمنا، وفي تنقلاتنا … إلخ.

        فيا ترى، ما هي الدعاية؟ ما هي تجلياتها؟ كيف تنجح؟ وماهي نتائجها وتداعياتها؟

يختلف المحللون والعارفون بالأمور على تعريف الدعاية. فكل واحد يراها من منظور مختلف بالرغم من اختلافهم على العديد من النقاط بشأن ماهية ” فن الدعاية ” وأساليبها. حسب البعض، الدعاية هي أسلوب من أساليب الاتصال المستخدمة للتلاعب أو التأثير على رأي مجموعة أو تكتل لدعم قضية أو عقيدة معينة، وهذا ربما ما يصطلح عليه البعض بممارسة الضغط (Lobbying). والدعاية، فن كثير من الأحيان تنطوي على التركيز الشديد على مزايا وفضائل فكرة واحدة أو مجموعة ما، بينما في الوقت نفسه هي في الحقيقة، تمارس تشويه الحقيقة أو قمع الحجة المضادة. فمثلا، قبل صعود الحزب النازي في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، اعتمد منظرو الحزب على فكرة أن اليهود سارقو وظائف الشعب الألماني، وأن ذلك هو الذي أدى إلى الكساد الاقتصادي في ألمانيا. ولقد تم الترويج كثيرا لتلك الفكرة التي لاقت استحسانا من طرف العديد من الألمان آنذاك.

        فالفكرة كانت تستند على أن شعب ألمانيا هو الشعب الآري الذي يجب أن يسود، وأن يقوم بطرد الشيوعيين والمهاجرين بحجة أنهم أضعفوا البلاد  واستنزفوا ثرواتها، وأن ذلك لم يكن بسبب فشل الأداء الحكومي الذي ترأسه أدولف هتلر بعد ذلك بقليل. كل تلك الدعاية اتخذت أشكالا متعددة: الخطب الملتهبة والنارية، الملصقات والأفلام، الكتابات الصحفية والأقلام المأجورة.. إلخ.

        وكان من نتائج ذلك أن سجن اليهود وصودرت أموالهم، ولم يعترض الألمان بتاتا. هذا المثال يبين بوضوح كيف وظفت النازية فن الدعاية في صعود نجمها بقيادة الوزير “كوبلز”.

        البعض الأخر يقول بأن الدعاية هي شكل من أشكال التأثير الذي مورس من العصور الغابرة للتأثير على موقف المجتمع تجاه شيء ما، بحيث تستخدم رسائل معينة لإنتاجات أكثر عاطفية للتأثير والحد من الاستجابة العقلية بخصوص المعلومات المقدمة. وهي بذلك تختلف في منحاها وأساليبها وتوجهاتها. فيمكن للدعاية أن تكون حول منتوج تجاري معين، أو الانتخابات، أو تشجيع الناس للإبلاغ عن الجرائم، أو حتى توصيات الصحة العامة. وبالتالي، تعددت أشكالها من “الدعاية السياسية” أو “الدعاية التجارية” أو “الصحية” أو حتى “الدينية”. وتلعب وسائل الإعلام في ذلك دورا كبيرا من حيث توجيه الخطاب، نشره، صياغته وزرع الدلالات بين السطور، وذلك من أجل النتيجة المرجوة في مواقف الجمهور. وهكذا صارت الدعاية شكل معتمد ومنهجي للإقناع مستعملة أساليب عقائدية، سياسية أو تجارية لقلب الآراء والمواقف وحتى العواطف. ومثالا على ذلك، كانت شركات السجائر تعتمد على المشهورين في السينما من أجل  الترويج لنوع معين من السجائر مستغلة بذلك شهرة ذلك النجم وقابلية معجبيه وجمهوره لتقليده دون وعي منهم أنهم سقطوا ضحية للدعاية المبطنة.

        البعض الأخر من الناس يرى أن الدعاية ما هي إلا وسيلة لغسل العقول واستمالة مواقف معينة لزيادة المعد أو رفضه لذلك الموثق المعين المستهدف، فبدلا من تقديمه ببساطة مستذكرا عيوبه ومزاياه، يتم التكتم على الحقيقة، وصبغ الكلام أو الدعاية بشحنة كبيرة من العاطفة توجه خطابها عادة إلى الوجدان، وخاصة المشاعر الوطنية أو حتى الدينية منها، وتقديم العاطفة دونا عن الحجج العقلانية. وبالتالي، في مخيلة العديد، ارتبط هذا بدلالات سلبية لدى الناس، وصار يطلق على هذه الدعاية: “البروباغندا”. وبالتالي، عندما تتحدث إلى أحدهم عن أفكار أو أراء معينة، يجيبك قائلا: “ما هذه إلا بروباغندا”.

وغالبا، هذا النوع من ماهية الدعاية صار مرتبطا في أذهان الناس في البرازيل وغيرها من دول أمريكا اللاتينية بمفهوم الدعاية التجارية، الملصقات، الإشهار المتلفز، والوصلات الإذاعية، وكل ما يمكن أن تستعمله الصحافة لذلك الغرض من راديو، مجلات، انترنت، مواقع التواصل الاجتماعي…الخ. كل هذا غير السلوك المجتمعي والقيم السائدة.

        وخلاصة القول، فمصطلح البروباغندا مشتق من كلمة « Propare » اللاتينية والتي تعني “نشر” أو “تناسل”. فالدعاية هي أداة لأجل تسويق أو توزيع شيء معين أو معرفة معينة مستعملة بذلك خطوات وأساليب لنشر ذلك وتوزيعه على الفئات والقطاعات المستهدفة لإغوائهم واستمالتهم لغرض معين وبنية مبيتة، حتى ولو تطلب ذلك التضليل والتزييف.

        في زمننا هذا، صرنا ندرك أهمية الدعاية، خطورتها، وتأثيراتها الرهيبة على العقلية المجتمعية وعلى الأفكار وحتى المعتقدات والمعنويات. ولذلك، برز في العقود الأخيرة مصطلحان جديدان:

  • الدعاية الإستراتيجية.

    و

  • الدعاية التكتيكية.

  1. الدعاية الإستراتيجية: هي دعاية واسعة الانتشار وشاملة. توصف بالقوية التأثير حتى وإن كانت بطيئة المفعول. فهذا النوع من الدعاية يستهدف شعوبا بأكملها وأنماطا سائدة. هذا يجعل منها تستهدف تحوير الفكر في اتجاه مخالف معين، وخلق بديل آخر للفكر السائد أو للنمط المتبنى من المجتمع.

    إذن فهذه الدعاية لا تستهدف أفرادا معينين أو شريحة مجتمعة صغيرة. بقدر ما تسعى إلى تحقيق مصالح صاحب الدعاية ومستخدميها من أجل ذلك الغرض. فمثلا، حاولت فرنسا تغيير السلوك المجتمعي والأنماط السائدة في مستعمراتها السابقة في إفريقيا عن طريق هذا النوع من الدعاية، كتغيير المعاملات المجتمعية، تذويب الهوية، تغيير العادات الغذائية وحتى تغيير نوعية الملابس لتلك الشعوب المستضعفة. كل ذلك كان من أجل ترسيخ الثقافة الفرنسية وزرك النمط الاستهلاكي وضمان الولاء لفرنسا. فهدف فرنسا من خلال هذا النوع من الدعاية الإستراتيجية كان محاولة خلق مواطن آخر جديد لا ارتباط له بأصوله أو بموطنه، يسهل تطويقه.

    وهذا هو بيت القصيد والهدف الخفي لهذه الدعاية والذي يبين خطورتها وتأثيرها العميق والبطيء. غالبا ما تستخدم هذه الدعاية أثناء فترات السلم لأن تتطلب وقتا كثيرا لكي تنمو وتترعرع في ظل ظروف مواتية لخدمة الغرض المهيئة له، وتتحول بذلك إلى دعاية مضادة، قوية ومؤثرة تشل حركة الخصم في حالة عدم خضوعه.

  2. الدعاية التكتيكية: وهي دعاية تكون قوية، حاسمة، مباشرة وسريعة النتائج والتأثير لشل حركة الخصم، استهداف نقاط ضعفه ونشر البلبلة. وهي تستهدف الجماعات والأفراد على حد السواء أو حتى أمورا معينة كالشرف، السمعة أو حقائق معينة. فهي تهاجم بعنف وضراوة، فتنتشر فضائح الأشخاص المستهدفين، تلفق الاتهامات، تجسم الأخطاء، توصم الخصم بالعمالة والخيانة، وتضرب على الأوتار الحساسة من أجل تحقيق المراد منها.

    وغالبا ما يلجأ هذا النوع من الدعاية إلى البناء على لمحات أو شذرات من الواقع وتغلفها بالتزييف والتزوير لتصنع حقيقة أخرى متكاملة يخيل الناظر إليها أو للقارئ أنها الحقيقة بعينها. فمثل تعمد بعض الجهات على تهويل حقيقة بسيطة لتضرب المخيلة الجماعية في العمق عن طريق نشر دعاية معينة حول جهاز معين، وتنسج حوله الأساطير، وتبني منه حصنا منيعا أو خارقا جبارا يخافه ويهابه الجميع. كما يمكن لهذا النوع من الدعاية أن يحطم مصداقية الخصم ويضربه في الصميم عن طريق فبركة وتزييف حقائق لا وجود لها ولكن بالاستناد على معلومة واحدة حقيقية لا صلة لها بالحقائق التي أحيكت بحبكة حولها.

    فقد يلجأ البعض إلى خلع المصداقية عن بعض المناوئين له عن طريق هذا النوع من الدعاية، وعلى سبيل المثال، يمكن اللجوء إلى ذكر معلومة بسيطة تنشر على موقع مجهول على الانترنت، ويقوم صاحبها بنسخ الحكايات وفبركة الحقائق حول الشخص المستهدف من أجل الحد من نشاطه أو الطعن في مصداقيته.

    هذا النوع من الدعاية، إن أحسن استخدامه، قد يكون بالغ القوة والتأثير ويتحول إلى دعاية مضادة بعد استغلالها وتوجيهها. وهذه الدعاية غالبا ما تستخدم زمن الحروب لأنها لا تتطلب وقتا كثيرا، وتتم تغذيتها وتوجيهها بصفة مستمرة لتحيق نتائج سريعة، حاسمة وقوية الدعاية تنقسم أيضا إلى ثلاثة أنواع:

    الدعاية السوداء، الدعاية الرمادية والدعاية البيضاء.

    • الدعاية السوداء: هي دعاية مباشرة تصدر عن مصدر يخالف المصدر المعلن عنه علنيا. فمثلا كانت مصر قبل 1973 تقوم بإذاعة تقدم برامجها بالعبرية موجهة إلى إسرائيل على أساس أنها إذاعة يهودية معادية للصهيونية. هذا النوع من الدعاية يكون خطيرا وفعالا حيث أن المتلقي له يجهل حقيقة مصدرها ويظنها من مصدر معروف لديه.

    • الدعاية الرمادية: تكون عادة دعاية يجهل مصدرها ولا يعرف صاحبها، تبدأ فجأة، وقد تنتهي فجأة كما بدأت. كما أنه غالبا ما يجهل الغرض منها أو حتى مدى الاستفادة منها. ولذلك فهي لا تحمل أية بصمة معينة، وهذا ما يتطلب الكثير من المهارات والخبرة والمعرفة لأجل القيام بها لخدمة الغرض الأساسي الذي أنشأت من أجله.

    • الدعاية البيضاء: تكون دائما معروفة الأصل، المنشأ والمصدر. فالجانب أو الجهة خلفها يكون معروفا ومواقفه علنية وواضحة.

تستخدم هذا النوع من الدعاية الدول المعادية لبعضها أو الجهات المتخاصمة فيما بينها.

فمثلا، زمن الحرب الباردة كانت أمريكا تستخدم هذا النوع من الدعاية البيضاء للتشكيك في الشيوعية ودحرها عن طريق تمجيد الرأسمالية والرفاهية التي يعيش فيها الحزب، وذلك بإظهار طريقة عيش الأمريكيين وذكر الحريات التي يتمتعون بها في ظل نظام رأسمالي يوفر الفرص للجميع ويعطي أولوية لأفراده.

    إن فن الدعاية ليس بالمجال السهل، كما أن الدعاية بحد ذاتها هي علم يتنافس فيه المتنافسون ويبدع فيه المبدعون من أجل تحقيق الأهداف المرسومة. إلا أنها تبقى في المخيلة والذاكرة الجماعية دائما مرتبطة بكل ما هو سلبي، زائف ومصطنع. وتبقى سلاحا لا يشق له غبار، تربصن كامنا حتى تأتي الفرصة السانحة لنفث سمومها وتحقيق مآربها. ولقد وجب التذكير أنه ليست كل الدعاية سالبة، وليست كل الأهداف دنيئة. فالظروف والطبيعة البشرية أحيانا تملي علين أن نلجأ إليها لخلق التغيير ولتحقيق المصالح. فالدعاية سلاح ذو حدين مرتبط بنوايا مستخدمة وبنوعية استخدامه وأساليبه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

WordPress spam blocked by CleanTalk.