اخر الاخبار

مات بعده ودفن قبله..!!

بقلم : سعيد البيلال 
ذا ليس سؤالا أو لغزا أو “تحاجية”، هو ببساطة عنوان لحكاية من مسلسل حكايات زمن الاحتلال التي لم تنتهي بعد، حكاية ” والد وولد”، الأب “سيد أحمد عبد الوهاب دمبر” الذي فارق الحياة منذ خمسة أيام بعد حزن طويل على إبنه “سعيد دمبر” الذي اغتيل منذ تسعة أشهر بدم بارد على يد شرطي مغربي…وفيما وارى الوالد الثرى…لا زال الولد في انتظار قبر…؟ فمن قال أن إكرام الميت دفنه..!؟ ليأتي لوطننا ليرى كيف يهين الاحتلال أمواتنا وأحيائنا على حد سواء..!!

هي حكاية أليمة وموجعة ليست من وحي الخيال، ولاهي قصة قصيرة من بنات أفكار أديب مرهف الإحساس، ولا هي شطرا من قصيدة حزينة لشاعر متيم يذرف دموع الفراق على أطلال القبيلة…؟ بل هي حقيقة ساطعة تختزل كيف تعايش شعبنا المستضعف مع قدر الموت القادم مع رياح الشمال، وكيف يتسابق أفراد العائلة الواحدة لارتداء عباءة شرف الشهادة في الحال والدفن بعد حين..!! وكيف لا زالت آلة الحتف تحصد شيبنا وشبابنا لتقديمهم قرابين مباركة لكهنة البربر الذين ألفوا شرب الدماء العربية المغنومة من غزواتهم على الجنوب.

إنها قصة المناضل ” سيد أحمد دمبر” الذي ولد في “منطقة كلتة زمور” في عمق الوطن المحتل منذ ثمانين حولا ولم يسئم…ليتم نفيه لمدة ثلاثة عقود من عمره على خلفية مبادئه الراسخة في اتجاه ” مدينة فاس” في عمق دولة الاحتلال…قبل أن يعود وعائلته إلى الاستقرار نهائيا بعاصمة الوطن المحتل…حاملا معه الكثير من الشوق والذكريات المريرة وأبناء رأوا النور في المنفى وكبروا رفقة الوجع والاغتراب…لكنهم حافظوا على حسانية اللسان وبيظانية البيان مثلما حفظوا تقاسيم جغرافية الوطن وتفاصيل تاريخ القضية…

هو الأب العطوف الذي فقد إبنه ذات ليلة غدر…وأبى أن يتسلم الرفات قبل احتضان الحقيقة…فقد تعلم على مر السنون أن المبادئ غير قابلة للتجزيء….وأن الثوابت لا تلبس نقاب التقية في حضرة الوطن…وأن من انحنى مرة سيستديم الانبطاح…هو المجاهد الكبير الذي أفنى حياته كلها في خدمة الوطن الذي لم ينعم برائحته كثيرا… هو الشيخ القدير الذي قضى بعد فاجعته في نجله تسعة أشهر في ” بطن الحزن” قبل أن يطرحه مخاض الموت في أحد مستشفيات العاصمة المغربية بعد معاناة طويلة مع مرض جسدي عضال.. ومآسي كثيرة مع احتلال بغيض قتله مرتين….حين هجره من الوطن وحين اغتال فلذة كبده ..!!

هو الفقيه الجليل…الذي عاش متأبطا كتاب الله…ومات حاملا له وحافظا أياه بين ثنايا صدره حين رفرفت روحه ذات فجر من جمعة في رمضان…ويا لها من ميتة كريمة في ساعة طيبة في يوم عظيم في شهر مبارك… هو العالم الرباني الذي ربى أبنائه وبناته على القناعة والإيمان وحب الوطن..نعم.. فالقناعة كنز لا يفنى وحب الأوطان من الإيمان… هو المناضل الجسور الذي وافته المنية في عاصمة الاحتلال لكنه أوصى بدفنه في العاصمة المحتلة…نعم…فمن عاش عظيما في المنفى لابد أن تدفن عظامه في الوطن… فنحن إما أن نعيش عظماء على أرضنا أو عظاما في جوفها..!!

مات الأب المناضل وفي صدره حسرة…وفي قلبه لوعة… لكنه لم يستسلم ( للاحتلال ) ولم يسلم ( اللواء) ولم يتسلم ( الرفات )…وليس ذلك بغريب على رجل ليس كالرجال…عاش شامخا ومات كذلك… قضى سنوات عمره مبعدا عن وطنه من أجل أللا يركع لمخلوق…ومن أجل أللا يسجد لغير الخالق…رجل من طينة العظام علمنا جميعا كيف أن الرضوخ للاحتلال مرة واحدة هو مقدمة لتسليمه الوطن بالمرة… لذا فضل الممانعة في منافي الاحتلال على المهادنة في فيافي الوطن المحتل…مثلما انحاز إلى خيار الموت حزنا على فقد الولد على تسلم رفاته بدون كفن الحقيقة…أو لربما كان شوقه للقاء ابنه في الحياة الأخرى أقوى من كل ارتباط بهذه الحياة المدنسة بحوافر قتلة إبنه المطعون من الخلف مثل وطنه…وكأن الأقدار تخبأ لنا دائما طعنة أو رصاصة من الخلف على يد نفس القاتل اللعين..!!

كم هي غريبة هذه الحياة…الأب الذي أصر على معرفة ملابسات موت ابنه قبل دفنه…تشاء الأقدار والأحزان أن يموت بعده ويحظي بقبر قبله… ليبقى الولد بمستودع الأموات في انتظار قبر..!! والوالد بمقبرة الأموات في انتظار إبنه..!! إنها تجربة أخرى من تجارب الانتظار التي ابتلي بها شعبنا..!!

سيبقى التاريخ حافظا لهذا الشيخ الجليل مواقفه الصلبة…ولهذه العائلة الصابرة صمودها الأسطوري وفائض ممانعتها… مثلما ستبقى الجغرافية حافظة لجثمان الوالد في انتظار احتضان رفات الولد..!!

فطوبى لها من عائلة فقدت الولد والوالد وما بدلت تبديلا… وهي التي عايشت كل أشكال الفقد…حين ربت أبنائها في المنفى بعد فقدان الوطن…وحين بدأت في فقدان ذويها تباعا بعد عودتها للوطن..!! وكأن الأحباب والوطن لا يجتمعان… !!

وطوبى لكل الممانعين في زمن الخنوع هذا..!!  

www.radiomaizirat.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

WordPress spam blocked by CleanTalk.