اخر الاخبار
الرئيسية / آخر الأخبار / مقال بالصور : الشهيد البطل “المحفوظ أعلي بيبا، رجل متحضر راقي أصيل…

مقال بالصور : الشهيد البطل “المحفوظ أعلي بيبا، رجل متحضر راقي أصيل…

رجل متحضر راقي أصيل ..

في ذكرى وفاته أعيد نشر مقال او كلمات بالأحرى كتبتها في رحيله .. للتاريخ فقط .. لقد كان رجلا مترفعا شهما لكنه بسيط .. بسيط جدا .. وهذه قصتي معه بلا روتوش ..

ذات صيف حار ومع سنوات الراحل الأخيرة كنت رفقة صديقي عبد الله احمد سالم احمين، عزمت على إنتاج فيلم وثائقي قصير عن الشهيد الولي مصطفى السيد بالتعاون مع مخرج جزائري وهو صديق عزيز كان له فضل إقتراح الفكرة فشخصيا لا أملك وقتها أي تجربة في الإخراج وكذلك زميلي فلقد كنا مجرد هواة مغامرين ..
وضعت قائمة بأسماء من رأيت أنه من الضروري أخذ تصريحات لهم لمساعدتي في إنتاج الفلم، كان أغلبهم قياديين بارزين في البوليساريو كانوا رفاقا لشهيد الحرية والكرامة الولي مصطفى السيد ولعل أهمهم وأقربهم إلى قلبي وأكثرهم قربا إلى قلوب كل المواطنين كان الرجل الذي رحل عنا فجأة .. المحفوظ علي بيبا.
لم يكن المحفوظ علي بيبا مجرد قيادي بارز أو مفاوض بارع لكنه أيضا كان ذلك الرجل الطيب البسيط الذي لا يحب التكلم كثيرا ولا الظهور أمام الكاميرات ولا خطف الأضواء، لقد كان فقيد الأمة والقضية رجلا متواضعا شهما مترفعا وصدوقا، فحين إلتقيته لإجراء لقاء معه وكنت وقتها أخاف ان يرفض، فرح كثيرا للفكرة وقال لي رحمة الله عليه أنه سعيدا برؤية شبابا في مقتبل العمر متحمسين لتحويل فكرة كبيرة إلى حقيقة واقعية بإنتاج فلم عن شاب ناضل وأعلن الثورة والدولة وأستشهد من اجل قضيته قبل حتى أن يبلغ الثلاثين من العمر.
أخبرني أنه سيخصص يوم عطلته الجمعة للقائنا وإعطاءنا التصريح الذي نريد، وفعلا كان الرجل في الميعاد وكنا أيضا، حيث إستقبلنا في مقر البرلمان بمدرسة 9 يونيو الوطنية، وجدنا الرجل الذي كنا نعتقد أنه بالكاد سيتحدث أو ينظر إلينا في إستقبالنا، فمن نحن؟ ومن هو؟، لم تكن لي به سابق معرفة ولا لقاء، إستقبلنا بكل ما تقتضيه ضيافة أي مسؤول رفيع المستوى أو ضيف عزيز، وجدنا الرجل في قاعة الاستقبال حيث إعتقدنا في البداية أننا لسنا وحدنا الذين لهم ميعاد معه وأن شخصا أو وفدا مهما على وشك الوصول، فالمظهر والحفاوة لم تكن لتوحي لنا بأقل من ذلك لكن مر الوقت وعرفنا أن كل مظاهر الضيافة التي رأيناها ولمسناها من الاستقبال البروتوكولي الذي خصصه لنا ووجبة الغذاء التي أقامها على شرفنا، كل ذلك لم يكن سوى على شرفنا وحدنا.
كان الرجل طيبا إلى أبعد الحدود وبسيطا جدا، قضينا معه وقتا ثمينا وصورنا التصريح الذي كنا نريد حيث تحدث الرجل عن رفيق دربه الشهيد الولي مصطفى السيد بتأثر بالغ، بعد ذلك جلسنا جلسة بسيطة على مأدبة الشاي حيث سألني وزميلي عن الأهل، إلتحق بنا الأخ عبد القادر الطالب عمر وكان وقتها وزيرا أول لينضم الى الجلسة، كانت صورة جدي لأمي يحظيه ولد الخليل على حائط القاعة التي كنا نجلس فيها بإعتباره أحد رؤساء المجلس الوطني الصحراوي “البرلمان”، قلت له ذلك الرجل يكون جدي، فتفاجأ ومعه الوزير الأول، قلت لهم نعم إنه جدي الذي رباني رحمه الله فتأثر الرجلان لأنهما كان يعرفان الرجل حق المعرفة كمناضل وكقيادي في صفوف الجبهة منذ البدايات الأولى للثورة.
كان رحمه الله يعرف كل الصحراويين فقد تحدث عن أبي أيضا وأب زميلي وكان يعرفهم جيدا، كان يعرف أيضا أقاربنا وأصدقاءنا وتقريبا كل من ذكرناهم كان يعرفهم، سأل عن أحوالنا وعن أحوال الأهل بتواضع كبير ولم يذكر أحدا أبدا بالسوء كان كلما سألنا عن أحدا إلا وقال “فلان وخيرت بيه”، لقد كان الرجل يعرف كل أفراد الشعب واحدا واحدا ويحبهم واحدا واحدا ويقدرهم واحدا واحدا على إختلاف مستوياتهم وأعمارهم.
لم ألتقيه بعد ذلك إلا نادرا فقد كان كل وقت الرجل لقضيته فتراه مفاوضا يجوب أقطار العالم للتعريف بقضيته وتراه تارة يمارس مهامه على كثرتها كرئيس للمجلس الوطني يحضر كل أو أغلب الجلسات وعلى طولها وكثرتها كما تراه يحضر اجتماعات الأمانة الوطنية ومكتبها، ترى الرجل يحضر المحافل والذكريات داخليا وخارجيا، تراه يشرف على تخرج دفعات جديدة من الشبان الملتحقين بالجيش الشعبي الوطني، وترى الرجل الطيب أيضا وعلى كثرة مهامه وجسامتها جالسا على مأدبة الشاي في خيمة صديق أو زميل أو أي مواطن بسيط.
لم يكن المحفوظ الذي سيظل محفوظا في قلوبنا كثير الكلام ولكنه حين يتكلم كان يقول الحقيقة دون تحفظ، كان الرجل قليل التصريحات ولكن حين تحدث مرة في أحد القنوات التلفزيونية الفضائية قال بكل صدق “سأقبل نتيجة الاستفتاء إذا أتيح للصحراويين التعبير عن خيارهم الحر بكل حرية وشفافية حتى ولو إختاروا الانضمام للمغرب لكنني لن أنضم إلى المغرب لو حدث وأختار الشعب الصحراوي هذا الخيار رغم أن كل أفراد عائلتي في المناطق المحتلة ولم أراهم منذ زمن بعيد”.
وفعلا رحل الرجل في صمت في يوم جمعة بين أفراد شعبه البسيط في خيمته المتواضعة بعيدا عن الضجيج ومكبرات الصوت، رحل الرجل ولم ينضم إلى المغرب لا قبل ولا بعد أن يختار الصحراويين خيارهم الحر الذي كان المحفوظ أكثر الناس معرفة به وقناعة بتجسيده، لقد كان المحفوظ على قناعة تامة وهو الذي فاوض الأعداء أكثر من مرة ولم يتنازل قيد أنملة، كان على قناعة أن الصحراويين لن يختاروا الانضمام للمغرب يوما ولن يجبرهم أحد على ذلك، كان على قناعة أن يوم الحرية آت وأن الأجيال اللاحقة ستكون أكثر تشبثا بحقها وإرث آباءها وقد كان المحفوظ واحدا من أعظم الآباء والمناضلين وسنفتخر دائما بشخصه وتاريخه.
كنت دائما أبعث له رحمه الله بكتاباتي التي كانت في أغلبها كتابات “مشاكصة” تنتقد بعض السياسات وحين يقرأها كان دوما يرد علي بأنه يثق في قدرة الشباب وفي حيوية الشباب ومعجب بأفكاره وعلى ثقة بوطنيته وكان نعم الأب والصديق والناصح، فالرجل الذي عرف بأناقته وحسن منظره ولباسه ونظافته وطيبة رائحته كان أيضا أنيقا بأفكاره بارعا بأسلوبه مقنعا بحديثه مهما إختلفت معه حول بعض الجزئيات.
فرحمك الله أيها الطيب وأسكنك فسيح جناته مع الشهداء الصديقين ..
عن الزميل المقتدر عبداتي لبات الرشيد.

بالصور : الجماهير الصحراوية بالعيون المحتلة تخلد ذكرى إستسهاد البطل “المحفوظ أعلي بيبا”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

WordPress spam blocked by CleanTalk.