اخر الاخبار
الرئيسية / آخر الأخبار / تغطية ميزرات : كبير الحقوقيين إعلي سالمً التامك يكتب مقالاً يستحق المتابعة يرسم بكلماته لوحة أدبية بليغة تليق بمقام القائد أمحمد خداد.

تغطية ميزرات : كبير الحقوقيين إعلي سالمً التامك يكتب مقالاً يستحق المتابعة يرسم بكلماته لوحة أدبية بليغة تليق بمقام القائد أمحمد خداد.

رسالة علي سالم ولد التامك
إلى روح الشهيد القائد امحمد خداد.

عفوا الشهداء لايموتون
حين وردني خبر استشهاد القائد الصحراوي الفذ أمحمد خداد موسى اعتصر قلبي ألما، وهاجت مشاعري حسرة وأسى ، إنه الخبر المزلزل الصادم و المفاجئ، إنه الخبر الغير مستساغ سماعه ولا تناوله… لكنها مشيئة القدر وسنة الحياة.

كنت لطول الوقت على تواصل مستمر مع بعض الرفاق مستفسرا عن حالته الصحية، وقبل أيام علمت منهم أنه في تحسن ، وهو الأمر الذي أسعدني و أراحني كثيرا لكونه بصدد زيارة مخيمات اللاجئين الصحراويين.

رحل عنا العظيم الشهم فجأة ، ونحن نعيش على وقع ضغط اللحظة الفارقة في التاريخ البشري -مرض كوفيد 19-، أتفاجأ برحيله على حين غرة و يا لسوء المفاجأة، مفاجأة أنهكت قواي وجعلتني أتجرع طعم مرارة الفراق، وأجدني عاجزا حائرا، تسيطر علي مشاعر اليأس والقنوط، مشاعر التأثر والغرابة وخصوصا أمام هذا المشهد الدراماتيكي ، مشهد غريب حيث توالى علينا فيه رحيل الكثير من زعامات وعضد الحركة والدولة.

مما لاشك فيه أنه الخبر سيئ بكل المقاييس مما جعله ينقش في ذاكرتي الحزن ، ويسطر في دواخلي أخاديدا عميقة من القلق؛ جعلني عاجزا عن فعل أي رد أو اتصال، غير قادر على كتابة أي شيء يخالج فؤادي أو يمور به فكري.

هي خسارة لرمز استثنائي لن يجد قاموس الكلمات والتعابير وصفًا حقيقيا تمتح منه، و ستجد لا محالة استعصاء في التعبير الأمين عن حجمها وفداحتها.

لم تتوقف الكتابات المختلفة بكل اللغات واللهجات في تعداد خصال هذا الرمز التاريخي، وقيل عنه الكثير، وسال مداد غزير في هذه الأيام لملامسة صفات وخصال رجل قل نظيره ، اختار مبكرا تموقعه التاريخي بالمعنى الإيديولوجي والفكري للكلمة “كل اركاج كطاع سوم راسو ” ، بدءًا من مغادرته لجامعة الجزائر حينما كان طالبا بشعبة الهندسة في بداية سبعينيات القرن الماضي، مسطرا لنفسه مسارا ينتصر فيه للنزوع الفكري الثوري المبني على الأساس الجماعي، مشكلا بذلك مرجعا آخر في بناء وتبلور شخصيته ، ووعاءه القيمي والأخلاقي ، الذي جعله انعكاسا موضوعيا وعمليا في اختياراته واقتناعاته وسلوكاته التي انطبعت بالتواضع الثوري والإنساني، والبساطة، والزهد في الكثير من تفاصيل الحياة واغراءاتها، بما فيها المناصب والمسؤوليات التي ظل الشهيد على الدوام يتحمل منها اختيارا ما يسعفه على العطاء والانتاج النضاليين ، يتحمل كل هذا بعيدا عن الأضواء والصورة. و يجسد بذلك قاعدة ثابتة تقول ” المناضل الطلائعي تستدعيه المهمة النضالية ولا يستدعيها “.

تكلف بتسيير وتدبير الكثير من الملفات والقضايا الحيوية والسرية ، المرتبطة بعصب الحركة الثورية ومفاصلها دون مزايدات أو غرور، بل تحملها جاهدا مع نكران الذات حد الإفراط، يتحرك في تدبير هذه القضايا الشديدة الحساسية تنظيميا وأمنيا، في الظل وتحت الأرض دون أن ينبأ أحدا إيحاء أو ترميزا بأنه يضع كل هذه الملفات المفصلية في صراعنا مع العدو تحت إبطه وبعيدا عن أي منزع هيمني، يتناول تفاصيلها وأسرارها في دوائر ضيقة وضمن علاقات محددة ومنتقاة.

هذه الملفات التي أدارها بأمانة و إخلاص؛ ودبرها بجدية وحزم كبيرين محددها الرئيسي هو العمل الميداني والنتائج الملموسة.

مع الأسف لم أكن أتواصل مع الشهيد كثيرا، وما تذكرته لم يكن يسيرا بالرغم من علاقتنا النضالية والوطنية العميقة، فكان لي أول لقاء به بداية دجنبر سنة 2004 إثر زيارة لي لإسبانيا ببرشلونة، وذلك في منزل مناضلة اسبانية الزوجة السابقة للقيادي الصحراوي ” محمد التهامي” رفقة مجموعة من القياديين ومنهم : الشهيد الخليل سيد امحمد و الأخ براهيم غالي والأخ محمد سيداتي، وكان لقاء مطولا أتذكر فيه أجوبة الشهيد أمحمد خداد عن كل الإشكالات والأسئلة التي طرحتها وكانت انذاك تستبد بتفكير المناضلين بالأرض المحتلة، أجوبة تعكس نظرته العميقة والإستشرافية لمجمل القضايا الوطنية المطروحة والرائجة آنذاك، والتي بسطها بأريحية، وبصدق ثوري، ودماثة أخلاق ولطف، وأناقة فكرية، وبإلمام موسوعي بخلفيات وسياقات معركة التحرير الوطنية.

التقينا بعدها مرات متكررة وفق ما سمحت به الظروف، وكانت اللقاءات مناسبة لأخوض معه في عدد من الأمور والإنشغالات بالسؤال والاستفسار بغية الاستفادة من تجربته التاريخية والنضالية وحسه الاستباقي في التنبؤ بماﻵت القضايا، وامتلاكه لعناصر وشروط وضوح الرؤية المتصلة باستراتيجية الحركة و الدولة إجمالا، وكان يتميز بحسن الاستماع وبثقافة الانصات للآخر متفاعلا بجد واحترام تام مع آرائي المختلفة ووجهات النظر حتى وإن كانت متباينة ومتعددة.

في الواقع ظل كما هو منذ أول لقاء عرفته، وظلت شخصيته قوية وموسومة بالثبات والرزانة والاتزان لا تتغير ولا تتبدل، واتصالي به يجعلني ازداد اقتناعا بنبل أخلاقه وعظمة شخصيته.

مؤلم جدا أن ترحل تباعا رموز وطنية وقامات نضالية ظلت ولا تزال تلهمنا بنفسها الطويل، وتحديها لأكثر الظروف تعقيدا وصعوبة، ويظل عزاؤنا في فقدانها ؛ فيما تركوه من رصيد وسجل نضالي غني وملئ بالتضحيات الجسام ، ودروس الكبرياء والشموخ الساطع والرائع في الارتباط العقائدي بالثورة، رصيد نضالي اختاروا بَعده الخلود في بعده الطبيعي والمعنوي وهو مسلك الشهادة ؛ الممر الطبيعي للخلود الأبدي بالتتويج حين معانقة الشهادة.

رحم الله برحمته الواسعة الشهيد امحمد خداد وأحمد البخاري وسالمة طيب ولد هنان والبشير الصغير واحمد سالك ولد القايد صالح بيروك وعبيد لوشاعة وسيدي صالح سيداحمد الطيب وبابا مصطفى السيد وحمادي بريكة و باها ولد بيدالله و الشيخ الدوة ولد بوسيف وكريم محمد لغظف والبناني تقيو ولد ايدا و محمدفاضل اسماعيل السويح ومحمدسالم ولد الحاج مبارك “بكيتو ” ودد مولودي ولائحة طويلة ممن سبقهم من شهداء عظام لأجل هذا الوطن الجريح.
وصدق من قال :
الشهداء لايموتون
05 ابريل 2020
اسا مناطق وادنون وجنوبها .
علي سالم ولد التامك

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

WordPress spam blocked by CleanTalk.