اخر الاخبار
الرئيسية / آخر الأخبار / بالفيديو : عام مضى على رحيلك أيها “الرمز المجتمعي” وتأبى الرحيل… “شذرات من سيرة رجل ناذر”.

بالفيديو : عام مضى على رحيلك أيها “الرمز المجتمعي” وتأبى الرحيل… “شذرات من سيرة رجل ناذر”.

” من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا” صدق الله العظيم

اليوم تحل الذكرى السنوية الأولى لرحيل رجل إستثنائي في زمن إستثنائي وفي عام مليئ بالمتغييرات والمتناقضات

في مثل هذا اليوم قبل إثنا عشر شهرا بالتمام والكمال تشاء الأقدار أن يترجل عن صهوة هذه الحياة فارس وأديب و مربي وحكيم ومناضل فذ وما بين هذا وذاك أب رحيم

في مثل هذا اليوم بالمدينة الحمراء قبل أن تنسج خيوط الشمس ضياء صباح بارد و أليم رن هاتفي لأرد على اتصال الطبيب الرئيسي بقسم الإنعاش بالمصحة الدولية بمراكش.. فإذا بصوت شاحب وبعيد وبكلمات مبعثرة لم أستطع تجميعها إلى اليوم يخبرني بأن صوتا وروحا كانت تحيى داخلي كل يوم فكرا وصدقا ونصحا قد رحلت إلى الأبد

رحل والدي وتغيرت معه معالم الحياة، وسنعيد نحن معها النظر في علاقتنا الإجتماعية ويصبح القريب بعيدا والبعيد قريبا في زمن الجائحة، وسيكون بالنسبة لي أنا “الإبن البكر “للراحل عاما مليئا بالصعاب والتحديات لثقل الأمانة وحجم الرسالة وبإمتحان كل يوم، لم يكن ” بشرايا أباحازم” اسما عابرا فرحيله كان استثنائيا كحياته المليئة بقوة العزيمة والصبر والعصامية والأحداث الإستثنائية

“بشرايا ” الشاب اليافع الذي تربى يتيما منذ طفولته عند أعمامه ، نشأ تنشئة إجتماعية في بيئة علمية ودينية سليمة بالطنطان وضواحيها مطلع الستينات من القرن الماضي، تشاء الأقدار ان تكتب له حياة مليئة بالدروس والعبر وبأحداث سياسية وتحولات إجتماعية تكبره سنا

عرف ” بشرايا” عند ولوجه مدراس التعليم الإبتدائي مطلع السبعينيات بالطنطان بدهائه و نباغة فكره وذكائه َوسط كل من عرفوه، فكان شابا نجيبا مميزا.

مساره التعليمي وتميزه كتب له أن لا يكتمل بفعل حرب الصحراء والتحولات الدولية المرتبطة بسقوط الاتحاد السوفياتي ونشأة الفكر الماركسي و اليساري التحرري في أوساط الشباب حينها ، وفي سنة 1981 وعمر “بشرايا” أنذاك 17 سنة. سيتعرض لإختطاف قسري رفقة باقي أصدقائه الطلبة بسبب انخراطهم في التنظيمات السرية وخلايا الفروع لجبهة البوليساريو َوتبنيهم لفكر سياسي أنذاك يطالب بإستقلال “إقليم الصحراء”

عرفت تلك الفترة من تاريخ المغرب بإسم سنوات الجمر والرصاص وكانت مرحلة عصيبة بسبب الاعتقالات السياسية وحملات الإختطاف ، التي أنعكست بأضرارها الكبيرة والمختلفة على الأفراد و المناطق ،وستنقطع إذن طيلة تلك الفترة أخبار ” بشرايا” الشاب اليافع المفعم بالحياة والمتحرر من كل القيود عن أهله” أسرة أهل أباحازم” بطانطان لمدة قاربت إحدى عشر سنة.

وسيخوض فيها والدي آنذاك ومن معه رحلة عذاب نحو مصير مجهول و ليال بلا قمر و الكثير من تفاصيل تلك المرحلة التي لازلنا نجهلها إلى اليوم.

إحدى عشر سنة… من الإختفاء القسري لوالدى “بشرايا” متنقلا ما بين درب مولاي على الشريف والمعتقلات السرية بقلعة مكونة وأكدز، وما زاد ذلك ” بشرايا” إلا تمسكا باختياراته الفكرية ومساهماته في التأطير السياسي لرفاقه حول فكر البوليساريو ومشروعهم السياسي من داخل الزنازن، وسيدرس على يديه من داخل المعتقلات الكثير من أعيان ووجها الصحراء اليوم كعلوم اللغة والنحو والشعر والادب

في سنة 1991.سيدخل المغرب وجبهة بوليساريو توقيع اتفاق جديد لوقف إطلاق النار برعاية الأمم المتحدة وسيفرج حينها عن المعتقلين الصحراويين بكل سجون المغرب وتبادل الأسرى بين طرفي نزاع الصحراء وسيعانق والدي الحرية

بعد خروجهم من السجن ستبدأ حياة جديدة قديمة عند “بشرايا” ، هي إذن سنوات اقتطعت من عمرهم ورعايان شبابهم، و العالم معها تغير والمغرب سيعرف حينها انفراجا سياسيا وحقوقيا نسبيا إلى حين إنطلاق تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة في العهد الجديد للملك الشاب والتزامه الكبير بالقطيعة مع الماضي

سيستمر بعدها ” بشرايا” في قناعاته الثورية واختياراته السياسية وبنضالات حقوقية ويصاحب ذلك الكثير من الأمراض دهورت وضعه الصحي بفعل سنوات الإعتقال ورغم كل هذه الالتزامات كان لوالدي حضورا اجتماعيا قويا داخل مجتمع الصحراء بفعل العلاقات القوية التي نسجها مع كل القبائل ووجهائها، خلال فترة الإعتقال فكان وجيها وحكيما وملما بجغرافيا المنطقة وتركيبتها الاجتماعية وتوازناتها وكان وسيطا إجتماعيا يدبر كل إشكال مجتمعي بحكمة وإقتدار وبعد نظر سديد.

لم تمنع “بشرايا” انشغالاته السياسية والحقوقية من تخصيص هامش من تضحياته لأسرته وأهله لبناء صرح معرفي وعلمي كبير بالمنطقة من خلال إعادة الدور الإشعاعي و الديني الذي تميزت به أسرة أهل اباحازم عبر التاريخ بهذه المنطقة من خلال تجربة ” محظرة أهل أباحازم” فكانت له مساهمة كبيرة في تدعيم هذه الرؤية الثقافية الكبيرة والبدء بأبنائه بإنخراطهم فيها وتنشئتهم تنشئة سليمة بدراسة القرآن وعلومه .

ويمر الزمن ويتقدم العمر وتتغير معه الكثير من العوالم وبقي” بشرايا” أبا نصوحا ومعلما وصديقا وموجها حتى في اختياراتي الفكرية كإبنه ظل يحترمها، فلم نكن يوما في وجهة نظر واحدة حول القضايا السياسية والإختيارات الإيديولوجية ، وظل بشرايا رمزا كبيرا وعنوانا عظيما للشهامة والإستقامة والثبات على المبادئ حتى لبى نداء ربه فجر يوم 23 من فبراير من سنة 2020

ليكتب التاريخ أن هذا الإسم ظل محافظا على الكثير من القيم الإنسانية النبيلة، رجل إجتمع فيه ما تفرق في غيره وعلى الرغم من أن شهادتي فيه مجروحة والحديث عن مساره الفكري والحقوقي والسياسي لن تكفيه السطور ولن تفيه الكلمات، أقول في ختام هذه الرسالة.. “جئنا اليوم نحي ذكراك لكن ذكراك هي التي تحيينا….. وداعا “بشرايا”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

WordPress spam blocked by CleanTalk.